Back to file

الخبرة المصرية في التعايش.docx

Download original

The page view preserves document formatting. Word and Office documents are rendered as PDF; fonts and pagination may vary.

Listen / accessible text

Listening text and controls

Reading text uses the stored archive index when available. Document text preserves reading order where available; original layouts, formulas and embedded images may differ. Speech reads the text as written and does not translate it.

الخبرة المصرية في التعايش لألاف السنين عاش المصرين على ضفاف النيل ، لم يتركوا فيها واديه وواديهم وإنما استوعبوا وسطهم الكثيرين، من إغريق إلى رومان إلى عرب إلى أرمن إلى شراكسة إلى أتراك إلى أوروبيين. على مدى التاريخ مر واستقر مئات الآلاف من بني البشر تحولوا جميعاً إلى مصريين. أما كيف حدث ذلك، فهذا درس التاريخ الذي لم تنجح حتى الآن النخب المصرية المثقفة والسياسية في العصر الحديث أن تستوضحه وتفهمه لتستلهم منه علاجاً لأزمة الهوية التي تعصف بها منذ قرنين من الزمان. والشعب المصري من أقدم الشعوب التي لها تاريخ متصل يمكن قراءة حلقاته كلها على أرض وادي النيل ، لا بل يمكن رؤيته والتجول داخله في كل بقعة من بقاع مصر من الأسكندرية إلى أبوسمبل على الحدود الجنوبية ومن البحر الأحمر في إلى واحات الصحراء الغربية . نعم هناك شخصية تاريخية لمصر مثلما لها شخصية جغرافية، فهذا التاريخ المتصل والمستمر يجعلنا نتحدث بثقة عن شخصية مصرية بالمعنيين الثقافي والنفسي . ومن ثم نتحدث عن خبرة مصرية تراكمت بسلبياتها وإيجابياتها عبر السنين لتشكل الملامح النفسية العامة لشخصية المصرية نراها واحدة من أهم السبل في فهم ما نعانيه من أمراض إجتماعية ونفسية. كما يمثل الوعي بهذه الشخصية المصرية القدرة على إيجاد حلول من خلال الخبرة التاريخية للمجتمع وليست حلول هابطة من أعلى. والإتساق الثقافي الناتج عن التجانس العرقي والتواصل التاريخي والتراكم في الخبرات للشخصية المصرية لايعني بأية حال عدم حدوث إنقسامات ثقافية بين أغلبية وأقلية. فقد تعرضت مصر للإنقسامات الثقافية في مراحل تاريخية مختلفة وعلى مستويات ثلاث. كان المستوى الأول جغرافي بين الشمال والجنوب والذي يتردد صداه حتى الآن بين بحري وصعيدي. أما المستوى الثاني فهو لغوي وقد حدث بتأثير الغازي اليوناني في القرن الثالث قبل الميلاد ، حيث إنقسم المصريون إلى متحدثين باليونانية لغة الثقافة لدى الطبقة الأرستقراطية والمتحدثين باللغة المصرية القديمة لغة عامة الشعب وتمخض هذا الصراع عن محاولة المصريين إلى تحويل لغتهم إلى كتابة أبجدية كاملة فكانت اللغة القبطية ، وقد حُسم هذا الصراع بشكل نهائي بتحول المصرين جميعهم إلى اللغة والكتابة العربية . أما المستوى الثالث فهو من أهم أسباب الإنقسام الثقافي الفاعلة بقوة في المجتمع المصري حتى الأن وهو الإنقسام على أساس الدين. فقد كان أول أسباب الإنقسام الثقافي في مصر الموحدة في القرن الخامس عشر قبل الميلاد فيما عرف بالحرب الدينية التي أعلنها أخناتون على الألهة المصرية القديمة لصالح الإله آتون. ثم هو أحد جوانب الصراع المصري الأصيل مع العنصر الإغريقي الوافد والمصري الذي تأغرق على مدى ثلاثة قرون وحتى دخول المسيحية حين تحول الجميع إليها. ثم هو عامل أساس إستخدمته الأغلبية المصرية الأصيلة في في مقاومة الأقلية الحاكمة الوافدة طوال فترة حكم الإمبراطورية الرومانية بشقيها الوثني والمسيحي . وأخيرا هو العنصر الحاكم في العلاقات بين المصريين منذ أن دخول العرب إلى مصر في منتصف القرن السابع الميلادي. وقد فقد المصريون استقلالهم في القرن السادس قبل الميلاد ومنذ ذلك التاريخ تعاقب على حكمهم من الفرس والإغريق والرومان والعرب والترك والأوربيين حتى منتصف القرن العشرين. ولم تقم في مصر ثورة واحدة لتغيير الحاكم على أساس أن الحكم لأهل البلاد وإنما قامت ثورات من أجل الضرائب والحاجات الإقتصادية، كما قامت إضطرابات على أساس الدين والمذهب خاصة في العصر الروماني. وربما كان السبب عدم وجود قوة مسلحة مصرية على شكل جيش قوي منذ عهد الملك رمسيس الثالث (1182-1151 ق.م ) . كما لم تتكون في أي مرحلة ميليشيات مسلحة قوية تدافع عن نفسها ضد الحاكم الأجنبي أو الذي يأتي من الخارج لإزاحته. على المستوى الثقافي ومنذ القرن الثاني الميلادي كان المصريون قد فقدوا القدرة على قراءة النصوص المكتوبة باللغة المصرية القديمة التي إندثرت تماما بحلول القرن الخامس الميلادي مع إغلاق أخر معابد الإلهة إيزيس في فيلة. وفي إطار الصراع المذهبي مع الكنيسة البيزنطية قرر المصريون هجر اللغة اليونانية واستخدام اللغة القبطية ومع دخول العرب كان المصريون قد إنقطعوا ثقافياً عن أصولهم المصرية القديمة وتراثهم المكتوب باليونانية، وتحولوا إلى ثقافة دينية محلية تؤرخ لنفسها بعصر الشهداء وتحول تاريخها إلى تاريخ كنسي ديني لا يكترث بأصول الجماعة المصرية. وفي المقابل إجتهد المؤرخين الإسلامين بدءاً من الكندي وبن عبد الحكم نزولاً إلى المقريزي في تدوين تاريخاً أسطورياً لأصول القبط أو المصريين ما أدى في النهاية إلى ترسيخ مفهوم الهوية الدينية للتعبير عن ال"نحن" وال"هم" . إلا أن هذا الإنقسام الديني لم يتحول إلى إنقسام ثقافي كامل بسبب تبني الأقباط للغة العربية بصورة كاملة ما مهد للإندماج الاجتماعي الكامل بين المصريين بالرغم من الإنقسام الديني وهو ما نعبر عنه بخبرة التعايش. في صعوبة فهم ظاهرة التمييز يبدأ التمييز كتوجه نفسي عندما يعتقد شخص أنه أفضل من آخرين لمجرد إنتماءه لجنس معين أو عرق أو لون أو دين. ويصبح التمييز مشكلة مجتمع عندما تتحول هذه القناعة إلى ثقافة عامة تنتشر بين الجميع ليتحول هوس الأفضلية من الحالة الشخصية إلى حالة عامة وثقافة سائدة. وأسطورة الأفضلية يتم تدعيمها بسلسلة من النصوص والأدلة التاريخية والأخلاقية لتأكيد التفوق، ليس هذا فقط بل إن كل طرف يتسلح بالتنقيب في حالة الآخر للتأكيد على إنحطاط الآخر و فساد إيمانه وأخلاقه وعقله وربما رائحة جسده. و لا علاقة لأسطورة الأفضلية بالعدد كثر أو قل، فللأقلية إدعائها الخاص بالأفضلية على الأغلبية ، و يمكننا اعتباره تمييزاً مضاداً يدور في الأنفاق السرية للأقلية ويزداد تأثيراً وقوة كلما إزداد تمييز الأغلبية انتشاراً وعلنية . وعندما يصبح الإحساس بالأفضلية ثقافة عامة ينشأ عنه لدى الأغلبية ميل إلى إستبعاد وتهميش الأقلية على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وتعتمد درجة هذا التمييز على الظرف التاريخي والأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. ونستطيع أن نقرر أن هوس الأفضلية وما ينتج عنه من تمييز يتفجر في ظروف الإنحطاط الإجتماعي والسياسي صراعا إجتماعياً يرتدي العباءة القومية أو الدينية أو العنصرية. وبصفة عامة وعبر التاريخ تعددت أشكال الصراع بين الأغلبية من الأقلية وهي لا تخرج عن اتجاهات خمسةهي : الإبادة كما في حالة الأرمن بتركيا الترحيل القسري كما في حالة الفلسطنين عندما تم ترحيلهم عام 1948 من قبل اليهود الإذابة كما في حالة المسلمين واليهود عندما تم تعميدهم قسرياً من قبل الأسبان في القرن الخامس عشر. التعايش وفيه تسمح الأغلبية للأقلية بالعيش الآمن في إطار مجموعة من الشروط التمييزية ترضى عنها الأقلية. السماحة (Tolerance) وهي الشفاء من هوس الأفضلية فتنعدم حالة التمييز والمؤكد أن مصر لم تعاني في أية مرحلة من مراحل الإنقسام الثقافي إلى حروب الإبادة وإن عانى المصرييين المسيحين من محاولات الإذابة بدفعهم قسرياً لترك إيمانهم المسيحي في الفترة الرومانية الوثنية ، ودفعهم مذهبياً في فترة الحكم البيزنطي للتحول إلى المذهب الخلقدوني قسراً. أما المرة الوحيدة التي تعرضوا فيها لمحاولة للترحيل القسري لم تكن تحت تأثير صدام إجتماعي أو رغبة من الأغلبية وإنما كانت لرغبة الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله (966-1020م) ويصفها المقريزي بقوله : " ثم ألزم اليهود والنصارى بخروجهم كلهم من أرض مصر إلى بلاد الروم، فاجتمعوا بأسرهم تحت القصر من القاهرة واستغاثوا ولاذوا بعفو أمير المؤمنين حتى أعفوا من النفي، وفي هذه الحوادث أسلم كثير من النصارى." ج 4ص 399 وقد نجح المصريين في تجاوز هذه المحن عبر خبرة التعايش الخبرة المصرية في التعايش بدخول عمرو بن العاص إلى مصر أصبح هناك واقع جديد، يحمل معه دينا ينتمي إلى الحضارات السامية هوالإسلام وأصبح للمصريين حكام جدد ليسوا من البحر المتوسط وإنما من الشرق الأسيوي. ولم تكن شرعية الحكم الجديد مستمدة من أن غالبية المصريين من المسلمين وإنما جاءت من شرعية الفاتح الذي أزاح حكماً أجنبياً سيئاً ومكروهاً ليحل محله. وقد أثبتت السنوات التالية للفتح العربي للمصريين أن الحكم الجديد أفادهم بدرجة كبيرة على المستوى الإقتصادي من حيث انه أنهى عهد الإقطاع البيزنطي كما أفادهم على مستوى حرية العبادة من حيث أنه أنهى الصراع المذهبي الذى عانى منه الاقباط . فقد كان الفتح العربي بمثابة هزيمة إلهية للمذهب البيزنطي. وعلى مدى القرون الثلاثة التالية تشكلت صيغة جديدة للتعايش أملاها الحكم الجديد وفقهاؤه. واستندت من البداية على عقد الذمة الذي هو بالأساس عهد حماية توجب على المسلمين عدم إيذاء غير المسلمين كونهم في ذمة رسول الله كما تمنحهم حق العبادة دون جهر أو تبشير، ودفع الجزية كونها ضريبة للدفاع عوضاً عن دخول غير المسلمين للجيش. ومن البداية ظهر إتجاه مغالي في توسيع شروط عقد الذمة هذا، حيث أضيف إليه مجموعة أخرى من الشروط المعروفة بالشروط العمرية التي استحدثت مجموعة من التقييدات من حيث الملبس والركوب وشروط بناء الكنائس وغيرها. ويبدو أن الهدف من هذا التوجه كان الضغط المستمر على غير المسلمين في البلدان المفتوحة حتى يمتنعوا عن مقاومة الحكام الجدد. وقد بنى التيار المتشدد تصوره هذا في ضوء مجموعة من الأحاديث لعل أهمها في سياقنا هذا الحديث الذي اورده المقريزي في كتابه الخطط المقريزية وهذا نصه: " خَرج الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: كيف أنتم إذا لم تجبوا ديناراً ولا درهماً? قالوا: وكيف نرى ذلك كائناً يا أبا هريرة? قال: إي والذي نفس أبي هريرة بيده عن قول الصادق والمصدوق، قالوا: عم ذلك? قال: تنتهك ذمّته وذمّة رسوله فيشدّ اللّه عز وجل قلوب أهل الذمّة فيمنعون ما في أيديهم." ج1 ص127 و المقريزي يجعل من هذا الحديث مقدمة لفصل في كتابه عن ذكر انتقاض القبط ثم يذكر 12 ثورة قام بها الأقباط على عمال الخراج ( الضرائب ) طوال الخلافة الأموية والعباسية حتى خلافة المأمون . ومن الواضح أن التوجه المتشدد كان يلاقي قبولاً من الحكام كونه يشكل مبرراً لزيادة الضرائب والجبايات . على جانب أخر كان هناك تيار من الفقهاء والقضاة أكثر التصاقاً بعقد الذمة كعقد حماية وأمان وتصدوا في كثير من الأحيان لتوجهات الحكام. فلدينا فقهاء مثل الليث بن سعد وعبدالله بن أبي لهيعة اللذان أشارا على الوالي موسى بن عيسى في السماح للأقباط ببناء الكنائس " واحتجا بأنّ بناءها من عمارة البلاد، وبأن الكنائس التي بمصر لم تبن إلا في الإسلام في زمن الصحابة والتابعين"396 وكان هذا التيار متواصلاً وشكل حاجزاً منع وقوع مصائب أكبر على الأقباط كما في حالة قاضي القضاة تقيّ الدين محمد بن دقيق العيد في زمن الناصر محمد بن قلاوون (1293-1341) عندما منع هدم الكنائس بسبب ثورة العامة التي أشعلها حاج مغربي كان ماراً بمصر في طريقه إلى الحج.404 ويبدوأن التيار المعتدل كان يضع في إعتباره مصالح الدولة واستقرارها من خلال منظور فقهي يضع مفهوم العدل منه موضع الصدارة إلى جانب إلتزامه كما اسلفنا بمفهوم الذمة بإعتباره عقد إذعان يكفل ضمان الأمان والحد الأدنى من حرية العقيدة . وهوما أدركه الأقباط بواقعية وفضلوه على التيار المغالي المتشدد في جباية الأموال وابتزازها كلما طلبوا بناء كنيسة أو تنصيب بطريرك. وفي هذا يكتب المؤرخ القبطي في كتاب تاريخ البطاركة المنسوب للأسقف ساويرس بن المقفع عن قاضي القضاة في زمن صلاح الدين الأيوبي: " وكان اسم القاضي عبد الرحيم بن علي ويعرف بالبيساني كان أباه قاضي بيسان وكان عالم فاضل يفعل الخير مع كل أحد مشكور ومحبوب كل أحد يشكره ويدعوا له ويثني عليه بل انه من طبع الأدمي ان يكون كاملاً لكون الكمال لله وحده لآنه لم يوجد فيه قول يشوبه سوى أنه أشار أن لا يستخدموا النصارى نظار على أموال ولا مشارفين فقبل قوله وعمل برأيه ولم يرجع أحد من النصارى يستخدم في نظر أو مشارفة في أيام دولة صلاح الدين ولا من ملك بعده من أولاده وذريته" ج 3 ص 50-51 فالخسارة التي لحقت بالأقباط من جراء التمييز ضدهم في الوظائف العامة لم تمنع الكاتب القبطي من إدراك فضائل القاضي العامة الخاصة بالعدل ورفع المظالم . بل إن الكاتب نفسه يكتب عن صلاح الدين الأيوبي : "وملك هذا صلاح الدين بعد وسنذكر ونشرح أخبار المملكة وكيف كان زوال الدولة الأولى وفتوح البيت المقدس ومدن الساحل وما فعله الله له وما ملكه الله اياه ونصف طيب ايام مملكته وعدله ورخص الأسعار بجميل نيته وعدله في رعيته وما سامح به من المكوس وإزالة المظالم " الجزء الثالث ص 48 وقد شاركت الكنيسة القبطية في العصور الوسطى في سلسلة من الأحداث السياسية الداخلية والإقليمية بالتعاون مع السطة الحاكمة خاصة فيما يخص النوبة والحبشة كونها كانت تملك الرئاسة الروحية على الكنيستين النوبية والحبشية وبالتالي تأثيرها على ملوك تلك البلاد التي كانت ولازالت تشكل أمن مصرمن الجنوب حيث مصادر مياه النيل. والخلاصة أن النخب الثقافية والدينية والسياسية لهذا العصرصاغت صيغة ما من صيغ العيش المشترك المتوائم مع ثقافة العصور الوسطى التي لم تكن تعرف مفاهيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وغيرها من المفاهيم الحديثة . وقدساعدت هذه الصيغة الأقباط على الاستمرار كما شكلت الإطار الذي نظم فيه عامة الناس من المسلمين والأقباط علاقتهم الاجتماعية . وتدل القصص التي يرصدها مؤلف سير البيعة المقدسة أو تاريخ البطاركة على أشكال التعاون الكثيرة بين المسلمين والأقباط من غير النخبة لتجاوز فترات التوتر والصدامات التي كثيراً ما حدثت بسبب تشدد الحكام في الجباية أو ثورة العوام على أغنياء الأقباط كنتيجة لسوء توزيع الثروة خاصة في العصر المملوكي. صيغة التعايش و مشروع الوطنية المصرية إنكفأت مصر على نفسها على مدى ثلاثة قرون منذ الإحتلال العثماني في القرن السادس عشر وحتى مجئ الحملة الفرنسية . وكان من نتائج هذا الإنكفاء أن أصبح لمصر فقهاؤها وعلماؤها من المصريين وإن تنسبوا إلى أصول عربية أوغيرها . ساعد على ذلك وجود الأزهر كجامعة إسلامية معترف بها على مستوى العالم الإسلامي، فلم يتوجب على المصري الخروج من مصر إلى أي مكان للتزود بالعلوم الفقهية . وكان من نتائج ذلك أن تولدت روح مصرية واضحة في فئة العلماء والمشايخ . وعندما خرجت الحملة الفرنسية من مصر رحلت الجيوش وبقيت الصدمة. ومثلما أدرك محمد علي أهمية العلوم الحديثة لبناء جيش قوي حديث ودولة قوية أدرك بعض مثقفي هذا العصر وهم من شيوخ الأزهر من أمثال الشيخ حسن العطار أهمية التعرف على الأفكار الحديثة والذي كتب في تقديم كتاب الشيخ رفاعة الطهطاوي الشهير تلخيص الأبريز في تلخيص باريز "سبحان من أظهر عجائب مصنوعاته في اختلاف أوضاع مخلوقاته وتباين أنواع العالم واختلاف هيئاته ،يرى ذلك بعين الاستبصار من ولج في البحار واقتحم القفار" والشيخ رفاعة هو أول من نقل صورة الدولة الحديثة إلى المجتمع المصري فهو أول من أشار إلى الدستور ومجلس الأعيان ومجلس النواب والنظام الديمقراطي وعند حديثه عن الدستور يردف "وان كان غالب ما فيه ليس في كتاب الله وى في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم " ثم يقرر بعد ذلك "لتعرف كيف قد حكمت عقولهم بأن العدل والإنصاف من أسباب تعمير الممالك وراحة العباد وكيف انقادت الحكام والرعايا لذلك ، حتى عمرت بلادهم وكثرت معارفهم وتراكم غناهم وارتاحت قلوبهم ، فلا تسمع فيهم من يشكو ابدا ، والعدل أساس العمران." قدم الطهطاوي فكرة أخرى ثورية ، فلأول مرة في تاريخ مصر تطرح فكرة "الوطن" بمعناها الحديث فقد كانت تعني في ثقافة الصور الوسطى محل الميلاد ، لكن رفاعة قصد بها مصر ، فقد كان رفاعة اول من ترجم كتاباً في تاريخ مصر القديمة باعتباره تاريخ الأجداد .وفي عام 1855 كتب" قصيدة وطنية مصرية" أتبعها بجموعة شعرية أطلق عليها "منظومات وطنية مصرية" . والوطنية التى كتب فيها رفاعة كانت وطنية) patriotism ) وليست قومية (Nationalism ) وهي وطنية مصرية تجعل من مصر وطن له تاريخ أجداد قبل المسيحية والإسلام وهي وطن يضم جميع من ولد وعاش فيه بالمساواة العادلة . كان مشروع رفاعة وهو مشروع وطني مصري من عمق إسلامي ، فقد استخدم تعبيرات دينية إسلامية مثل "حب الأوطان من الإيمان " لكنه أزاح الستار عن إمكانية النهضة وبناء المجتمع من خلال المشروع الوطني الشامل الذي لايستبعد جذوره الثقافية من عصور ما قبل التاريخ وحتى اللحظة. لم يكن غريباً أن ينطلق مشروع الوطنية المصرية في العصر الحديث وطوال القرن التاسع عشر حدث تقدم مستمر وتحسن غير مسبوق في صيغة العيش المشترك فعلى الرغم من أن بعض الكتابات الرسمية ظلت على ما هي عليه حتى نهاية القرن التاسع عشر خاصة في تصاريح شراء المدافن وتصاريح دفن الموتى من المسيحين تلك التي كانت تنتمي إلى العصور الوسطى . إلا أن الأهم هو أن قرار إدماج الأقباط في الجيش وإسقاط نظام الجزية قضيا بإنهاء عقد الذمة كصيغة عيش مشترك من العصور الوسطى واستبدلها بصيغة قيد التطوير أنذاك وهي صيغة الوطن والوطنية والمواطنة المصرية. وغنى عن القول أن هذه الصيغة الوطنية هي التي أثمرت عن ثورة 1919 والصيغة المشهورة للهلال مع الصليب . الصيغة التي ساهم فيها الأزهر الحديث مع الإكليروس الحديث ممثلاً في القمص سرجيوس . وقد عبرت أبيات أحمد شوقي عن هذا الوطن الجديد بقوله ويا وطني لقيتك بعد يأس كأني لقيت بك الشباب ولوأني دعيت لكنت ديني عليه أقابل الحتم المجابا أولي إليك قبل البيت وجهي إذا فهت الشهادة والمنابا ويعلق على هذه الأبيات المسستشار طارق البشري في كتابه القيم المسلمون والأقباط في إطار الجماعة الوطنية " جاء حديث الشاعر السلفي العظيم لينقل فيض العواطف الدينية المختزنة إلى مجرى النضال الوطني . وليجعل بشعره للوطن أيضاً كعبة وشهادة واستشهاد". مأزق الوطنية المصرية كانت القضية المحك للوطنية المصرية هي قضية الاستقلال وهو الأمر الذي جعل تطورها رهينة بتحقيق هذا الإستقلال ، الأمر الذي إصطدم بأجندة القوي الاستعمارية وتحديداً إنجلترا التي استخدمت أسوأ الأساليب لمنع هذا الاستقلال ، فليس من شك أن اللعب بورقة الأقليات والأقباط أساء كثيراً لنمو تجربة التعايش المصرية التي كانت في طور مهم من أطوار نموها نحو المواطنة الكاملة و السماحة. وكان من نتائج الإخفاق في الحصول على هذاالاستقلال أن تراجعت الوطنية المصرية في مقابل تصورات أكثر راديكلية وتحديداً القومية منها دينية كانت أم علمانية. وبحلول الثلاثينيات من القرت العشرين وتحت تأثير القوميات الألمانية والإيطالية وربما المجرية إنتشرت الأفكار المماثلة لها في الشارع المصري وعلى غرار القمصان السود الفاشية وحركة الشبيبة النازية أصبح في مصر قمصان خضر وزرق وسود . بل أن احد رموز ثورة 1919 وهو القمص سرجيوس حاول تأسيس "فرق الشباب القبطي"! والفكرة القومية في العموم فكرة رومانسية تنزع إلى إختراع الوطن للفكرة القومية التي يتم إعتناقها وهنا يكمن إختلافها عن الوطنية والتي فيها يتم إكتشاف الوطن كما هو تاريخاً وجغرافية . وطوال الثلاثينيات والأربعينيات سرت في الشارع المصري روح قومية متشنجة إنتقلت إلى النخب القبطية التي أعادت إنتاج مفهوم "الأمة القبطية" ودبجت الأناشيد للكنيسة وجنودها وبالنهاية إنسحب الكثرين منهم من العمل الوطني العام إلى العمل الكنسي . كان من الطبيعي أن تكون هذه الفترة هي المرحلة التأسيسية لما صرنا نسميه الفتنة الطائفية أو الصراع الديني في مصر ففيها بدأت السجالات الدينية والشروط العشرة لبناء الكنائس وظهور الجماعات الدينية . وحتى الحديث عن حقوق الإنسان والشرعة الدولية كان قد بدأ ينتشر في نهاية الأربعينيات قبل أن تغطي المرحلة الناصرية على تلك المشاكل لتعود للظهور بعد غياب عبد الناصر. من ناحية أخرى كان من نتائج إرتباط الخبرة الوطنية الوليدة بحرية الوطن أي بإستقلاله أن مفهوم حرية الفرد لم يلقى الاهتمام الكافي في مشروع الوطن . وجاءت فترة صعود العواطف القومية لتجعل من المشروع الفومي فوق الحريات وأصبح الدفاع عن ثوابت الدين والأمة لدى المسلمين والأقباط ومن وجهة نظر معتنقيها معوقات حقيقية للحرية ومن ثم تراجعت الحريات العامة وتخندق الجميع في أنماط دينية محددة دفعت إلى مزيد من التمايز واسترجع الجميع أوراق العصور الوسطى كما هي إما ليحاربوا بها بعضهم البعض أو ليحاولوا تطبيقها في القرن الحادي والعشرين . من خبرة التعايش إلى السماحة خبرة التعايش المصرية من وجهة نظرنا هي خبرة التفاوض بين المسلمين والأقباط على مدى مئات السنين لتحديد فضاءاً ثقافياً مشتركاً يبنى عليه الفضاء الاجتماعي والسياسي الذي يمارسون فيه حياتهم . فهل تصلج هذه الخبرة لتكون أحد الحلول المستقبلية وهي لدينا فيها الحقائق التالية 1) أن الفاعلين فيها هم الدولة والكنيسة والفقهاء والمثقفين مسلمين وأقباط 2) أن أداة السيطرة الأجتماعية فيها هم الطبقة الوسطى من المهنيين والمتعلمين فهؤلاء يشكلون طبقة الدعاة ورجال الدين وخدام مدارس الأحد وصغار الموظفين وهم الذين يحملون توجه المجتمع للقاعدة العريضة من المجتمع 3) أن أدوات الوصول لهذه القاعدة تزايدت بشكل كبير في العقد الأخير مما قلل من تأثير الالقبادات المركزية عل الأطراف وأصبح هناك أكثر من طرف مؤثر من خارج المركز 4) أن القرن التاسع عشر شهد تطوراً مهماً في شسباق إكتشاف الذات الوطنية الجامعة 5)أنه منذ الثلاثينيات ونحن نعاني من أزمة في التواصل مع فكرة الوطن نتيحة للإخفاق على المستوى الوطني الهزائم المتتالية 6) أن هناك تواطؤ بين الحكم المستبد والتشدد الديني 7) ان هناك إعاقة حقيقية في فكرة الحرية ما الذي يمكن أن نفعله 1) إستراتيجياً ليس هناك ما يمنع من النضال من أجل تعديل منظومة القوانين المعوقة للحرية 2) لكننا لا يمكن أن نترك التراكم الذي حدث على مدى عشرين عاماً فلا يمكن أن نعيد الحديث عن الذة وقد تجاوزتها التجربة المصرية 3) مقاومة الأوهام الرومانسية لدى المسلمين والأقباط 4)التفاوض المستمر مع التيار الإسلامي حالة تطور مستمر . ويحدث فيها دائماً فترات تحسن وتدهور لكن المسار العام للعملية في تصاعد مستمر ومن وجهة نظر صاحب هذه الكلمات فإنها الأساس المنطقي والطبيعي الذي ينبغي أن نعمل على تطويره وتطوير أطرافه من أقباط علمانيين وإكليروس ، ومسلمين من التيار الإسلامي ومن التيارات العلمانية ـ للوصول إلى مرحلة السماحة لنصبح جميعاً مواطنين في وطن واحد. د.حنا جريس أبريل 2007 1

Only voices installed on your device are offered. Install an Arabic voice in your device settings if none appears.