المحور:
التنمية الاجتماعية
المجموعة:
مستقبل التنمية
كيفية الاستشهاد بهذا السجل
Hanna Grace.
(2009).
الدين ورأس المال الاجتماعي.
الأرشيف الرقمي لرؤى مصرية.
الدين ورأس المال الاجتماعي
د. حنا جريس يوليو 2009
تعود بدايات ظهور مفهوم "رأس المال الاجتماعي" إلى أوائل القرن العشرين، إلا أنه لم يستخدم بشكل علمي كبير إلا في سبعينات القرن العشرين عندما استخدمه عالم الاجتماع بيير بورديو حين وضعه مع مفهوم رأس المال الثقافي ورأس المال الاقتصادي ليشكلوا معا ثالوث الموارد الذي يساعد في تشكيل الطبقات الاجتماعية. ومنذ ذلك الحين بدأ تداوله في اوساط علماء الاجتماع الغربيين. ولم يحظ المفهوم بانتشار كبير إلا في عام 1995 عندما كتب عالم الاجتماع الامريكي روبرت بوتنام مقالا بعنوان "البولنج منفرداً: تراجع رأس المال الاجتماعي لأمريكا" أشار فيه إلى إنسحاب الأمريكيين من الفضاء الاجتماعي العام وتراجع مشاركتهم الاجتماعية والسياسية بشكل عام وسجل فيه اعتقاده أن ذلك يشكل خطراً على الديمقرطية الأمريكية . لفت المقال انتباه الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون، واستدعى بوتنام إلى كامب دافيد للحوار ومن ثم أصبح بوتنام ومفهوم رأس المال الاجتماعي في صدارة نشرات الأخبار، وأصبح بوتنام ضيفاً في البرامج الحوارية التلفيزيونية والمنتديات السياسية والاجتماعية يشرح تصوره عن أهمية رأس المال الاجتماعي وخطورة تآكله على المجتمع الأمريكي .
شاع مفهوم رأس المال الاجتماعي على مدى الاعوام التالية، وانتشرت المؤتمرات وتتابعت الدراسات التي تناقش الإطار النظري للمفهوم و علاقته بالمجتمع المدني ودوره في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والتحول الديمقراطي . ومن ثم شكل مفهوم رأس المال الاجتماعي مظلة لمجموعة كبيرة من المفاهيم الاجتماعية الاخرى مثل التماسك الاجتماعي، والتضامن الاجتماعي والأعراف والقيم الاجتماعية كما شكل إطاراً لمحاولة فهم العلاقة المركبة بين هذه المفاهيم جميعها.
ومن ناحية أخرى أصبح المفهوم الجديد ساحة لدراسة كيفية تدفق الموارد والامكانيات المادية والمعنوية عبر الشبكات الاجتماعية المختلفة والتي تشكل المجتمع العام، ومحاولة فهم تأثير انماط تدفق الموارد على منظومة الديمقراطية ودور المجتمع المدني والمؤسسات الرسمية في إنهاض المجتمعات أو تخلفها.
رأس المال...... الاجتماعي
تعدد استخدام مفهوم "رأس المال" في علم الاجتماع في العقود الأربعة الأخيرة ، فمن مفهوم "رأس المال البشري " إلى مفهوم "رأس المال الثقافي" إلى المفهوم الذي نتعرض له الآن "رأس المال الاجتماعي"، ما يطرح السؤال عن استخدام مفهوم "رأس المال" في المجالات الاجتماعية المختلفة. والواقع أن طرح مفهوم "رأس المال" يستدعي لذهن الباحث أيا كان موقعة الفكري او الأيدولوجي صورة كارل ماركس . فالتنظير الماركسي الكلاسيكي يربط بين رأس المال الإقتصادي باعتباره جزء من فائض القيمة الناتج عن عملية الإنتاج والتي يسيطر عليها الرأسماليون أو البرجوازية، كما يتضمن عملية استثمار فائض القيمة من قبل المسيطيرين عليه في سوق السلع والخدمات. ويمكن فهم العملية وتحليلها على مستوى بنية المجتمع أو بالتعبير الماركسي على المستوى الطبقي. وفي هذا الإطار يمكن قراءة ما يعنيه المتحمسين لمفهوم رأس المال الاجتماعي، حيث ينبغي علينا أن نحدد فائض القيمة في العلاقات الاجتماعية، وفرص وأطر الاستثمار في رأس المال الاجتماعي الناتج عن العلاقات الاجتماعية.
وحتى نستطيع دراسة العلاقة بين مفهوم رأس المال الاجتماعي والدين سنبدأ أولاً بعرض مختصر لتعريف المفهوم من خلال أهم منظريه فيما نرى. والواقع أنه لدينا عدة تعريفات لمفهوم "رأس المال الاجتماعي" أولها لبورديو الذي يرى أنه مجموع الموارد الفعلية أو المحتملة التي يراكمها الفرد أو الجماعة من خلال تفعيل علاقتهم الاجتماعية عبر الشبكة، سواء كانت هذه العلاقات رسمية أو اجتماعية، وذلك من خلال التعارف المتبادل.
أما التعريف الثاني فنجده عند كولمن، الذي يرى أن رأس المال الاجتماعي يُعَرّف بوظيفته، وهو ليس كيانا مفردا وأنما هناك مجموعة مختلفة من أشكال رأس المال الاجتماعي تشترك كلها في أنها تتميز بعنصرين ، الأول شكل ما من البنى الاجتماعية والثاني أنها تيسر نشاطات مختلفة للممثلين داخل الشبكة الاجتماعية سواء كانوا افرادا أو ممثلين لمؤسسات.
أما عند بوتنام فإن "رأس المال الاجتماعي" يصف ملامح الحياة الاجتماعية وهي الشبكات الاجتماعية والأعراف الاجتماعية ومفهوم الثقة. فالشبكات الاجتماعية تشكل الفضاء العام الذي يربط الأفراد ببعضهم البعض من خلال ارتباطهم بالأعراف الاجتماعية المشتركة والثقة المتبادلة . ويقدم بوتنام أيضاً تمييزاً بين نوعين من رأس المال الاجتماعي . النوع الأول رأس المال الاجتماعي القائم على الروابط (Bonding social capital) وهو القائم على تقوية العلاقات الداخلية لجماعة ما تجمعها هوية واحدة . أما النوع الثاني فهو رأس المال الاجتماعي القائم على المعابر (Bridging social capital) الذي يعمل على ربط الأفراد والجماعات من مشارب اجتماعية وثقافية وطبقية مختلفة . كلا النوعين من رأس المال الاجتماعي يؤدي وظيفة مكملة للأخرى في السياق العام فالترابط يساعد على التماسك والاصطفاف داخل الجماعة بين تساعد المعابر على ربط الجماعات المختلفة داخل المجتمع في إطار واحد.
ومن ناحية أخرى، هناك اتفاق عام بين كل من تناول المفهوم بالبحث والتحليل على مركزية مفهوم "الثقة" في نظرية رأس المال الاجتماعي ، ففي أوائل الثمانينييات كتب كولمن عن أهمية الثقة في الحياة الاقتصادية. بينما اعتبر فرانسيس فوكوياما مفهوم "الثقة" نفسه هو أساس راس المال الاجتماعي
ومن وجهة نظر الكثيرين فإن من المؤكد أن الاستثمار في العلاقات الاجتماعية له مردود ، فالأفراد تتعامل مع بعضها البعض عبر شبكات من العلاقات من أجل الحصول على فوائد اجتماعية ومادية موزعة عبر هذه الشبكات ومتاحة لعناصر الشبكة في ضوء قواعد الاشتراك في الشبكة، وموقع كل فرد فيها، وقدرته على بناء رأس ماله الاجتماعي داخلها. ويحدد " لين" Lin وهو واحد من أهم الباحثين في مجال "رأس المال الاجتماعي" ، أربعة أسباب تدفع الأفراد إلى التفاعل داخل الشبكات الاجتماعية للحصول عل فوائدها وهي :
الحصول على المعلومات التي تتدفق داخل الشبكة باعتبارها ذات أهمية قصوى للتعريف بالفرص المتاحة داخل الشبكة ، ففي المجتمعات التي تحكمها أوضاع متخلفة تظل المعلومات الهامة عن الفرص المتاحة لدي الأفراد في المواقع الاستراتيجية من المؤسسات الرسمية والمالية ومن ثم يتم حجبها عن باقي الأفراد. ومن ناحية أخرى يمكن للمؤسسات التعرف على إمكانيات الأفراد من خلال علاقات داخل الشبكة بل أنه يمكن كشف الامكانيات الخفية لبعض الأفراد داخل الشبكة، وهي قدرات قد لا يمكن كشفها بالطرق العادية للتقييم والاختبار.
القدرة على التأثير من خلال الروابط الاجتماعية داخل الشبكة الاجتماعية على صناع القرار داخل أية مؤسسة إقتصادية كانت أو اجتماعية وفي مجالات متعددة تتراوح بين التوظيف داخل المؤسسات إلى الوساطة بين مؤسسات وكيانات مختلفة. وفي النقطة الأخيرة تحديدا قد يتاح لأحد أطراف الشبكة، فرداً كان أو مؤسسة، موقعاً استراتيجياً يتيح له لعب دور أكبر من الأطراف الأخرى في الوساطة العابرة للفراغات البنيوية التي تتوزع بين الشبكات الاجتماعية كما سنرى لاحقاً.
الحصول على التفويض الاجتماعي حيث يراكم الفرد الشهادات الاجتماعية من موارد العلاقات الاجتماعية، ما يجعل رأسماله الاجتماعي بمثابة تفويض يتعامل به مع الأطراف الأخرى داخل الشبكة الاجتماعية وعبر الشبكات الأخرى. وبمثل هذا التفويض يستطيع الفرد طمأنة المؤسسات التي تقف خلفه بقدرته على الإضافة المفيدة.
تقوية هوية الفرد ، فالانتماء لجماعة ما داخل الشبكة الاجتماعية يعزز من من مكانة الفرد الاجتماعية، وربما في تعزيز تفرده الذي يقوي موقعه داخل الجماعة بما يعنيه ذلك من حصوله على الدعم النفسي بالاعتراف به علناً كجزء من منظومة اجتماعية ، ومن ثم يحصل أيضاً على الدعم الاجتماعي بتقوية قدرته على الإعلان بمطالبه في بعض الموارد المتوفرة داخل الشبكة الاجتماعية كجزء من حقوقه كفرد. وتقوية الفرد بهذا الشكل مهم للصحة العقلية للفرد والجماعة.
فإن كانت هذه هي الدوافع التي تقود الفرد للدخول في شبكات العلاقات الاجتماعية فهل يمكن القول أن مردود رأس المال الاجتماعي يعود على الفرد فقط؟ في هذه النقطة ن
يتفق معظم الباحثين على أن المردود يعود على كل من الفرد والجماعة معاً. فمع إضفاء البعد المؤسسي على العلاقات الاجتماعية فإن المردود العائد على الجماعة الذي يمكن أن نطلق عليه تعبير "الخير العام"، فعلى المستوى الجماعي هناك موارد ومردود هائل في كافة العمليات الاجتماعية السياسية والاقتصادية والثقافية التي لا يمكن أن يتقدم مجتمع ما بدونها.
الدين ورأس المال الاجتماعي
في نظرية رأس المال الاجتماعي يتكون المجتمع العام من شبكة اجتماعية كبيرة تضم داخلها مجموعات من الشبكات الصغرى، هذه الشبكات الاجتماعية جميعها وروابطها ومعابرها تتحرك في سياق نسق ثقافي وأخلاقي يتشكل عبر التجربة التاريخية للمجتمع، ويحدد آليات التعارف والترابط بين الأفراد والجماعات، من نعرف وكيف نعرفه.
فالمجتمعات الغربية كان سياقها الحداثة وما بعدها وما أنتجته من الفردانية الناتجة عن تراثها الثقافي الفلسفي وجذورها الثقافية الدينية، بينمافي مجتمعاتنا التي خاضت بعض تجربة من الحداثة فإن تراثها الثقافي التقليدي وهو بالأساس تراثاً دينياً إنقطع اجتهادنا فيه منذ أمد أو توقف خاصة في بعض من القضايا التي يطرحها مفهوم رأس المال الاجتماعية مثل مفهوم "الخير العام" و"الشبكة الإجتماعية" وأيضاً مفهوم "الثقة".
ومنذ أن ظهر مفهوم رأس المال الاجتماعي بدأ الجدل حول دور الدين وعلاقته بالمفهوم الجديد، فمن ناحية يشير أصحاب كافة الديانات المتعاملين مع موضوع رأس المال الاجتماعي على البعد الإيجابي للدين على رأس المال الاجتماعي وهم يسوقون أمثلة واقعية عن دور المؤسسات الدينية باعتبارها من أكبر الكيانات التي تضم شبكات اجتماعية تطوعية تساهم في الخير العام ، فالمعتقد الديني يلعب دوراً أساسياً في تأصيل قيم الجماعة والجماعية ويرسخ فضيلة فعل الخير بغض النظر عن المنفعة المترتبة عليه.
ويمكن لكل أصحاب الأديان، وعن حق، أن يوردوا من النصوص الدينية التي توجب فعل الخير وتقدره ، بل أن الأديان تطرح تصوراً يوتوبياً للعلاقات الاجتماعية بين الأفراد والمجتمعات حال إلتزام الناس لرسالتها بشكل كلي ونقي. فعلى الجانب الإسلامي على سبيل المثال يكتب الباحث عمر راشد "فإن الدين الإسلامي -الذي هو وعاء رئيسي للقيم والأخلاق في المنطقتين العربية والإسلامية- يلعب دورا كبيرا في تشكيل رأس المال الاجتماعي، فالإسلام كقوة اجتماعية وسياسية استطاع أن يمد الشباب العربي المتعلم، المحبط في نفس الوقت، بالحماية الاجتماعية والأمل". ولا يمكن لأحد أن يشك أو يشكك فيما كتبه راشد بل ربما يمكننا الإضافة عليه. أما على الجانب المسيحي فالمسيحية ديانة المحبة التي تتحدث عن فعل الخير للجميع حتى الأعداء. ويدلنا على ذلك حجم و كم المشروعات الخيرية المسيحية التي تتنوع بين المشرروعات التعليمية والصحية والاجتماعية التي تنتشر في كل مكان على أرض مصر. بل حتى على مستوى العالم فإن الدراسات تؤكد أن ثلثي النشاط الاجتماعي في الولايات المتحدة الأمريكية يقوم به الكنائس أو المؤسسات الاحتماعية ذات المرجعية الأخلاقية المسيحية . والسؤال هل هناك علاقة بين المثل الدينية وواقع الحياة الاجتماعية؟ وهل يمكن لهذه المثل الدينية في حال تطبيقها بشكل مثالي أن تنتج رأس مال اجتماعي كما تتصوره النظرية.
فالسؤال إذاً، ليس فيما إذا كانت الأديان تحمل رسالة الخير والتعاون والترابط الاجتماعي، لأن إجابة هذا السؤال بالتأكيد بالإيجاب وإنما السؤال هو : هل كل مجتمع ذو مرجعية دينية يحمل بالضرورة إمكانيات انتاج واستخدام رأس مال اجتماعي؟ ففي مصر على سبيل المثال حيث الثقافة الدينية متجذرة والالتزام الطقسي لدى مسلميها ومسيحيها يشكل أعلى مستوى في العالم، يصبح السؤال إذا كان هذا هو حجم التدين وإلى هذا الحد تنتشر الأخلاق الدينية فلماذا لا نرى لها مردوداً على مستوى الخير العام؟ أو بمعنى آخر لماذا لم ينعكس هذا على رأس المال الاجتماعي في المجتمع المصري ؟ وكيف يمكن أن نربط بين ارتفاع مستوى التدين ليشمل مائة بالمائة من الشعب المصري في الوقت الذي تتراجع فيه الثقة بين الأفراد ويسود العنف الاجتماعي؟
وللإجابة على هذه التسؤلات في ضوء نظرية رأس المال الاجتماعي اخترنا مناقشة ثلاثة نقاط :
النقطة الأولى ما هي طبيعة العلاقات الاجتماعية بين الفرد والجماعة في المجتمع الديني التقليدي وعلاقته ببناء رأس المال الاجتماعي
النقطة الثانية حول مفهوم الثقة في التراث الأخلاقي الديني
النقطة الثالثة حول قوي الترابط الداخلية للجماعة الدينية واحتمالات تكوين المعابر مع الآخرين.
الفرد والجماعة في المجتمع التقليدي الديني
نشأت نظرية رأس المال الاجتماعي في الغرب كجزء من رد فعل العالم الغربي على الفردانية المفرطة لدى صانعي السياسات الغربيين في ثمانينيات القرن الماضي ، تحديداً التاتشرية والريجانية التي وصلت قمتها في ما أعلنته مارجريت تاتشر عن رأيها الشهير "لايوجد شئ أسمه المجتمع" وجاء عمل بوتنام الذي أشرنا إليه سابقاً " البولنج منفردا" بمثابة محاولة لبعث فكرة أن المجتمع الحديث ومعالمه الاجتماعية الرئيسية وعلى رأسها الديمقراطية الغربية صنعه رأس المال الاجتماعي المرتكز على العلاقات الاجتماعية المبنية على الثقة .
بمعنى آخر فإن نظرية رأس المال الاجتماعي كما نقرأها عند مؤسسيها وشاريحيها تنطلق من مواصفات العلاقات الاجتماعية في المجتمع الحديث من حيث كونها حرية الأفراد في الاختيار الحر للعلاقات الاجتماعية التي يرغبون في تكوينها والفضاء الاجتماعي الذي يرغبون في التحرك داخله لإنجاز الخير العام.
وربما كان الحديث عن العلاقات الاجتماعية بوصفها هي في ذاتها رأس المال الاجتماعي هو الذي خيل للبعض إننا نملك كل أدوات رأس المال الاجتماعي. فنحن نفسر كثافة العلاقات الاجتماعية وتداخل الأفراد في علاقات ثنائية وعائلية قوية باعتبارها من نتائج حركة الأفراد بينما هي في الحقيقة وليدة سيطرة الجماعة . وهذا ناتج من حقيقة أن مجتمعاتنا تتكون بالاساس من الجماعة وليس الفرد وهذا ما يؤكد عليه الدكتور رفيق حبيب في كتابه إحياء التقاليد العربية في مجال مقارنته للمجتمع العربي مع المجتمع الغربي حيث تكون "الدولة القومية صاحبة السلطة على مجموع الأفراد ومن ثم يتم تحديد حقوق الأفراد تجاه الدولة ،....... أما في حضارتنا نبدأ بالأسس الشرعية الأولى ، وهي منظومة القيم كما أنها العقيدة الدينية والحضارية . ومن خلال هذه الأسس تتحدد التكوينات الأساسية ، كما تتحدد الأطر المرعية والقواعد الملزمة . وهذا الإطار العام الملزم يعبر عن إيمان الناس واعتقادهم .......وهذا الإطار حاكم لكل الفعاليات في الأمة ، أي أنه إطار حاكم لكل الجماعات والمكونات الاجتماعية ، كما أنه إطار حاكم للأفراد" فالعقد الاجتماعي في مجتمعاتنا التقليدية يجعل السيادة للجماعة التي توفر الأمن النفسي والاجتماعي للفرد ، وفي المقابل يلتزم الفرد بالتراث الثقافي والديني للجماعة بوصفه الحكمة الكاملة التي لا يجوز الخروج عنها ، فتقاليد الجماعة مقدسة واسلاف الجماعة هم فقط حكماء البشرية كلها . تلك الجماعة التي تشكلت بالأساس على رابطة الدم في الأسرة والعشيرة والقبيلة وعلى أرضية الرعي والزراعة تعيد تنظيم نفسها تراثيا وثقافيا داخل النسق الديني. وهو ما يجعل نبيل عبد الفتاح يتحدث عن الولادة المتعسرة للفرد في مجتمعاتنا إذ يقول " إن صحوة الأبنية التقليدية والأصولية والأعراف تساهم في مأزق عملية الميلاد المتعسرة للفرد في ثقافتنا وحياتنا الاجتماعية بما يؤدي إلى تكريس الطغيان الاجتماعي و الأبوي والسياسي للبطريركية وأشكالها التقليدية أو الجديدة في الدولة والأسرة والحزب والمدرسة والكنيسة والجامع ويما يجعل مشروع الحداثة السياسية والاجتماعية وحقوق الإنسان أموراً بعيدة عن التحقق والإنجاز "
وفي المجتمعات التقليدية القائمة على قوة الجماعة تبدو العلاقات الاجتماعية كثيفة وقوية، و على الرغم من كون العلاقات الاجتماعية تعمل بمثابة الأصول التي يبنى عليها رأس المال الاجتماعي ، فليس كل علاقات اجتماعية تنتج رأس مال اجتماعي . ففي دراسة عن العلاقات الثنائية في المجتمع الصيني وفي إطار الأخلاق الكونفوشيوسية وعلاقتها ببرنامج القروض الصغيرة للقرويين، درست إحدى الباحثات المشروع من زاوية كونه تعظيم للخير العام وذلك بجعل المزارعين يتعاونون برد قيمة القروض التي حصلوا عليها لضمان استمرار توزيع نفس الموارد كقروض لأخرين . إلا أن الباحثة اكتشفت أن العلاقات الثنائية القوية لدي المزارعين منعتهم من إلزام بعضهم البعض برد القروض بل أنهم ساعدوا بعضهم في التهرب من السداد باعتبار أن المنفعة الناتجة عن إعادة الأموال تصب في مصلحة آخرين لا يعرفونهم واستنتجت الباحثة أن التراث الثقافي التقليدي الكونفوشيوسي الذي ساهم في تقوية العلاقات الاجتماعية الثنائية أدى إلى ندرة رأس المال الاجتماعي.
كما استنتجت الباحثة أن تأثير العامل الثقافي على رأس المال الاجتماعي لم يدرس دراسة كافية وبصفة خاصة العامل الديني في المجتمعات التقليدية الدينية، ففي المجتمع الصيني القائم على التقاليد الكونفوشيوسية فإن الأفراد يرون أنفسهم مركز كتلة روابط كبيرة الحجم أكثر من احساسهم بأنهم أعضاء في جماعة أو مجتمع ومن ثم فإن القرويين في عينة البحث كان لديهم قدر هائل من التعاضد الشخصي عبر العلاقات الثنائية لكنهم يترددون في تقديم الجهد نفسه في خدمات عامة من قبيل إصلاح الطرق في قريتهم.
مثل هذه النتائج يمكن التوصل إليها بسهولة في شوارع القاهرة، حيث يهتم الناس اهتماماً كبيراً بتنظيف مساكنهم لكنهم يلقون القمامة على سلم المبنى العملاق القاطنين فيه، أو في الشارع، وبالطبع لا يوجد لديهم جهد مشترك للضغط على السلطات المحلية للاهتمام بنظافة الشوارع أو المدينة. والفارق بين المجتمع الحديث الذي نشأت فيه نظرية رأس المال الاجتماعي ومجتمعنا التقليدي يبدو واضحا لدى الباحثين الاجتماعين منذ بدايات القرن الماضي حيث وصفه دوركايم العالم الاجتماعي الشهير حيث وصف العلاقات الاجتماعية في المجتمع الحديث وأطلق عليها الترابط العضوي وهو باختصار ناجم عن الحداثة وما نتج عنها من زيادة التخصص في العمل وتقسيمه ومن ثم اعتماد افراد المجتمع على بعضهم البعض حتى لو اختلفوا ثقافيا أو عقائديا.
وفي المقابل، فإن المجتمعات التقليدية قبل-الحديثة لدى دوركايم، هناك الترابط الآلي "Mechanical solidarity" والتماسك الاجتماعي هنا يعتمد على التشابه الثقافي والتماثل حيث يعتمد على الطقوس العامة والعادات والاجتماعية ، وحيث يقل التخصص الدقيق في مجال العمل، كما أنه يعتمد على الطاعة التلقائية للسلطة . وفي الحقيقة أننا في مراحل الأزمات نحاول أن نجعل من الطقوس والتشابه البصري والسمعي والالتزام بالشكلانية الدينية قوة دفاع عن النفس . إلا أن هذه البنية الاجتماعية التقليدية لا يمكن أن تولد رأس مال اجتماعي كوننا نملك علاقات شخصية وثنائية يتم تقويتها بالأشارات البصرية واللغوية المتماثلة والمتشابهة إلا اننا لا نكون رأس مال اجتماعي قوي.
مفهوم الإلتزام في التراث الأخلاقي الديني في مقبل مفهوم الثقة في رأس المال الاجتماعي
تقوم نظرية رأس المال الاجتماعي على أساس استخدام الأفراد تواجدهم في شبكة اجتماعية. حيث يقومون بتحقيق أهدافهم من خلال العلاقات الداخلة في الشبكة ومن خلال الموارد المتدفقة خلالها، وحتى يستطيعون ذلك ينبغي عليهم التعرف على الأطراف الأخرى من الأفراد والمؤسسات الموزعين داخلها ، كما أنهم بحاجة إلى درجة من درجات الثقة في بعضهم البعض ما يجعلهم يتوقعون ردود أفعال الآخرين بما يجعلهم مطمئنون أن لا يستغلهم أحد وان انتظام الترابط داخل الشبكة الاجتماعية أو النظام يعود عليهم بالنفع. ويتفق معظم المنظرين لرأس المال الاجتماعي على أن مفهوم الثقة يشكل مكون رئيسي للنظرية. بل إن فرانسيس فوكوياما يجعل من مفهوم الثقة هو المنبع الأساسي لرأس المال الاجتماعي
وموضوع الثقة يمكن فهمه في إطاريه العام والخاص للإجابة على التساؤل كيف يمكن أن يثق الفرد في الآخرين؟ سواء كان ذلك عند الزواج أو التواجد في مكان ما مع غرباء أو التعامل مع المستشفيات والمطاعم ووسائل النقل والمواصلات وغيرها.
ويقسم فرانشيسكو هيروروس الثقة إلى نوعين، الثقة الخاصة التي يمكن ان يختبرها الشخص كنتاج للعلاقات الاجتماعية المباشرة ومفهوم الثقة الاجتماعية الذي يعتبره الانجاز الكبير لنظرية رأس المال الاجتماعي كونها تتعلق بالمؤسسات والأشخاص الذين لانعرفهم. والثقة في هذا الإطار تعني الحفاظ على العهود والوعود، وهنا يلاحظ آدم سليجمان أن مفهوم الثقة بهذا المعنى دخل القاموس الفلسفي والسياسي في منتصف القرن السابع عشر في نفس الفترة التي ظهرت في نظرية الاحتمالات في الرياضيات ونظرية الإنسان العقلاني والعقلانية في الفلسفة ويربط ذلك بتأثير باسكال واللاهوتيين الغربيين في تغيير الشكل التقليدي للإيمان الديني الذي أدى إلى التحول نحو الأدلة الثبوتية المؤيدة للإيمان بدلا من الإيمان الغامض . وقد أدت هذه التحولات والتطورات في مجالات العلم والفلسفة والدين إلى تغير مفهوم الخطر الذي لم يصبح مرعبا بقدر ما أصبح تحديا يتم مواجهته "بالثقة". ومن ثم يكون مفهوم الثقة ظاهرة حديثة نشأت مع التحولات السلوكية المصاحبة لولادة المجتمع الحديث والحداثة ومن ثم فبدون الفرد الحديث كإرادة فاعلة لا يمكن أن يكون هناك ثقة حيث لا يكون هناك خطر ما تكون الثقة له حلاً.
إن كلمة الثقة في اللغة العربية تحمل نفس المعنى الذي يرد في سرد سليجمان بمعنى أنه ما يبعد الخطر، فأن تثق بشخص ما في اللغة العربية يعني أن تأمن له وتصدقه وتعاهده وتربط نفسك به ، إلا أن لا أحد ينظر لمفهوم الثقة في الثقافة العربية بالمعنى الاجتماعي الذي أشار إليه سليجمان . ففي الأدبيات العربية تجد الحديث عن الثقة في الله والثقة بالنفس ولكنك لا تجد الثقة بمن لا تعرفهم أو الثقة في المجتمع العام أو المؤسسات ومن ثم يأتي السؤال وكيف يدرء الفرد عن نفسه الخطر ؟ والإجابة في مجتمعنا وثقافتنا الدينية هي في مفهوم "الإلتزام". ويحدد رفيق حبيب دور الإلتزام إذ يقول " في الثقافة العربية الإسلامية تتحقق طاعة النظام والقانون والدولة ، من خلال ما يمثله النظام وتمثله الدولة ، من تحقق للقيم العليا والعقيدة الدينية .......فالطاعة ، وهي القبول غير المشروط، لا تكون إلا لله في الثقافة العربية الإسلامية بشقيها الإسلامي والمسيحي ، أما في الغرب ، فإن الطاعة تصبح للنظام القانوني العام " . ويجادل البعض من أن مثل هذا الطرح لا يعوق فقط ولادة الفرد وإنما أيضا يعوق مفهوم الثقة ذاته، لأنه إذا كان هناك نظام عام سيضع كل الأفعال المطلوبة للطاعة فما المتبقي للتفاوض حوله لكسب الثقة، بمعنى آخر فيما أحتاج الثقة في الآخرين إن كان القانون العام سيحدد كل الأفعال الاجتماعية المقبولة ويمنع غيرها حتى لو كانت قابلة للتفاوض، (الملبس على سبيل المثال). فالمؤمن الملتزم يدرأ الخطر عن نفسه بالتشابه والتماثل مع النموذج الديني السائد والتشابه والتماثل هنا يكون بالمظهر وطريقة التفكير معاً وهو ما يعيدنا مرة أخرى إلى مفهوم دوركايم عن الترابط الألي ، ما يعني أن مفهوم الثقة بالمعنى الحديث وكما تتحدث عنه نظرية رأس المال الاجتماعي غير متحقق في الثقافة الدينية السائدة . من جانب آخر كيف يمكن أن نتوقع انتشاراً لمفهوم الثقة في مجتمع تسوده نظرية المؤامرة ؟
الجانب المظلم من رأس المال الاجتماعي إنعزال الأقلية أو عزلها
في نظرية رأس المال الاجتماعي يتشكل المجتمع في أوسع معانيه من شبكة كبيرة من العلاقات تحتوي داخلها على شبكات اجتماعية نوعية ، وظيفية أو مهنية أو أجتماعية أو دينية وأن العلاقات الداخلية التي تربط أطراف شبكة ما أطلقنا عليها الروابط الداخلية ، بينما العلاقات التي تقوم بين الشبكات المختلفة تمثل المعابر بين الشبكات النوعية المختلفة وتتشكل نتيجة للعلاقة بين هذه الشبكات. ففي المساحات البينية، بين الشبكات الاجتماعية تتكون فراغات هيكلية تعزل الشبكات الاجتماعية عن بعضها البعض، وتمثل المعابر جهود الأفراد والجماعات من الشبكات الاجتماعية المختلفة لعمل علاقات تغطي هذه الفراغات وتربط الشبكات الاجتماعية ببعضها البعض وكلما زادت المعابر وتنوعت كلما كانت تغطية الفراغات بين الشبكات كافية وعزلة كل شبكة عن المجتمع العام أقل ، وقوة المجتمع العام أكبر .
و الواقع أن الروابط الداخلية في كل شبكة إجتماعية هي الأسهل في التكون فهي تعتمد على رابطة الدم والتجانس الثقافي والدين والانتماء الطبقي ...الخ من الروابط الاجتماعية الابتدائية . في حين أن المعابر بين الشبكات المختلفة تتطلب إدراك أسباب أعلى للتعامل المشترك بين الأفراد من شبكات إجتماعية أخرى، أسباب من نوع الهوية العامة للمجتمع أو التراث الثقافي المشترك في مستوى أعلى من مستوى التجانس الثقافي المباشر ، وأيضا تشكل المصالح الاقتصادية والاجتماعية عوامل حقيقية قوية لتثبيت وتدعيم المعابر بين الشبكات ..
وفي العلاقات الاجتماعية المركبة ينتمي معظم أفراد المجتمع إلى أكثر من شبكة من شبكات العلاقات الاجتماعية واستثمارهم في الربط بين مختلف الشبكات يؤدي إلى تعظيم المعابر ونقاط الارتكاز بين شبكات المجتمع . بمعنى آخر فإن الاستثمار في المعابر يجعل رأس المال الاجتماعي العام أكبر ، بينما التركيز على تقوية الروابط الداخلية يفتت المجتمع العام إلى جزر منعزلة . والواضح أن تكوين المعابر بين شبكات المجتمع الاجتماعية تستلزم وعياً ثقافياً أعمق، كما أنها تعتمد على جهود واعية ومقصودة من النخب السياسية والثقافية التي تدرك أهمية التماسك والتجانس الاجتماعي ، وتنمية رأس المال الاجتماعي .
ومن ناحية أخرى فإن الأفراد الذين يملكون علاقات أكثر وأوثق بأكثر من شبكة إجتماعية ، أو بمعنى أخر يدركون أهمية المعابر ويعملون على الاستثمار فيها ، هؤلاء يشكلون مراكز تدفق المعلومات والموارد داخل الشبكات وبين بعضها البعض ومن ثم يكون رأس المال الاجتماعي المتراكم لديهم أكبر . و هم بذلك يتحكمون بشكل ما في قرار حجز الموارد أو السماح بتدفقها يشكل يؤثر في حيوية المجتمع وحجم رأس ماله الاجتماعي وصحته. وقد يؤدي سلوك القابضين على المناطق الحيوية في المجتمع والمتحكمين توزيع الموارد داخل الشبكات الاجتماعية إلى شكل من أشكال عدم المساوة أو اختلال تكافؤ الفرص ما ينتج عنه تمييز ضد بعض أطراف المجتمع أفراد أو جماعات . فإذا أختلت المعادلات الاجتماعية أو تدنى اداء الدولة أو تدهور وعي النخب السياسية والثقافية فإن المجتمع يتحول إلى مجموعات وجزر منعزلة تتفاوت في قوتها وقدرتها بسبب اختلال تدفق الموارد والإمكانيات داخل المجتمع العام. ومن ثم يتحول الفضاء الاجتماعي القائم على العلاقات والتآلفات للحصول على حصة من الموارد المتدفقة داخل الشبكة الاجتماعية إلى ساحة صراع بين الشبكات الاجتماعية كل يطلب إقتناص ما يستطيعه من الموارد دون اعتبار للأطراف الأخرى ودون كثير تفكير في الأضرار التي تصيب المجتمع العام.
نعود الآن لمجتمعنا المصري ونحاول قراءة علاقة المسلمين والأقباط كشبكتين إجتماعيتين في إطار الشبكة الكبرى للمجتمع المصري. إن حقيقة وجود تعددية دينية في مصر تعود إلى منتصف القرن السابع الميلادي ، ومنذ ذلك التاريخ حدثت عدة تغييرات في الروابط الداخلية في كل منهما، وفي المعابر الاجتماعية بين الطرفين ، فقد تغير التوازن العددي والكيفي عدة مرات لكنه ترك تراثاً من العيش المشترك الذي تراكم عبر السنين.
إلا أن أكبر تغير إيجابي في العلاقة بين المسلمين والأقباط حدث مع تجربة الدولة الحديثة ، ونستطيع رصد التغيرات الاجتماعية الملموسة في مسار العلاقة منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين ، ففي ظل مشروع الدولة الحديثة دفعت الأغلبية بمشروعها الوطني الذي استلهم الثقافة المصرية بتاريخها وأديانها جميعها، ومن ثم أسس لإمكانية بناء رأس مال اجتماعي للمجتمع المصري تم بنائه على حلم الوطن المستقل الحديث الذي يشارك فيه كافة أبناؤه وهذا تحديداً ما دفع بروابط المعابر للأمام .
وعندما إزدهر المجتمع المصري وامتلأ بالمبادرات الفردية والجماعية للتصدي لمشاكل المجتمع كون الأقباط الجمعيات الأهلية القبطية التي قامت بأدوار اجتماعية غير طائفية خاصة في مجالي الصحة والتعليم وشكلت هذه المبادرات معابر قوية بين الأقباط والمجتمع العام. فإذا أضفنا لذلك إنخراط الارستقراطية القبطية والطبقة الوسطى القبطية من مهنيين وسياسيين ونخب ثقافية في العمل الوطني العام، والتزام رجال الدين "الإكليروس" لمهمتهم في الخدمة الروحية للأقباط وعدم التدخل في المجال السياسي العام، فإننا نرى بوضوح شروط النمو المتوازن للروابط والمعابر بين المسلمين والأقباط وإنعكاس ذلك على نمو رأس المال الاجتماعي للمجتمع المصري.
ولسنا في مجال دراسة أسباب تراجع مشروع الحداثة في مصر ، ولكننا نحاول استكشاف أسباب الخلل الذي أصاب روابط المعابر بين المسلمين والأقباط. ولدينا أن أول هذه الأسباب يتعلق بمشروع الدولة الناصرية التي أممت فيما أممت الفضاء الاجتماعي العام الذي تعيش فيه المعابر الاجتماعية بين الشبكات، وفي الوقت نفسه لم تستطع بالطبع القضاء على الروابط الداخلية للشبكات الاجتماعية الصغرى، بل على العكس هذه الروابط أصبحت أكثر قوة ليس فقط لدى الأقباط بل أيضاً لدى المسلمين، وأيضاً أزاحت الدولة الناصرية وما بعدها وحتى الآن النخب الثقافية والمهنية العلمانية من مواقعهم على رؤوس المعابر الاجتماعية وسلمتها للمؤسسة الكنسية، فعلى مدى العقود الستة الأخيرة حددت الدولة الوسيط الوحيد بين الأقباط والمجتمع العام ليكون بابا الأقباط ومن ورائه الأكليروس، وقد قبل الإكليروس الهدية شاكرين .
ومنذ أن انسحبت الدولة من مجال الخدمات الاجتماعية الجادة تركت المجال للمجتمع العام لسد الفجوات بأعمال البر والإحسان ذات الطابع الديني، وتقدمت المؤسسة الكنسية بمشروعها لرعاية أبنائها إجتماعياً، غير أن هذا المشروع توسع ليشمل خدمات اجتماعية أخرى لم يكن في وسع الأسر المسيحية القيام بها مثل السياحة الدينية والنشاطات الترفيهية الموسيقية والمسرحية والسينمائية وغيرها. وكان من نتائج ذلك أن قويت الروابط الداخلية بين الأقباط بشكل غير مسبوق في الوقت الذي تقوضت فيه المعابر الاجتماعية وكان ما تبقى منها يخضع لتقدير وتقييم الإكليروس.
مع مطلع الثمانينيات أضيف عامل جديد يتمثل في الصراع بين الدولة ومشروع الإسلام السياسي ومحاولات أسلمة المجتمع كشرط أساسي من شروط النهضة حسب قناعات البعض. فمن ناحية أدى الصراع إلى تديين المجال العام وتبدل مفردات اللغة اليومية واللغة السياسية ، فقد تحول النضال الوطني إلى جهاد ديني وأصبح الحديث عن الأغلبية والأقلية في المجال السياسي قائم على أساس ديني وطائفي. ومن ناحية أخرى لم يقدم المفكرين الإسلاميين تصوراً فقهياً واضحاً يوضح إيمانها بالدولة الحديثة والمواطنة والمساواة الكاملة. ومن ثم تعاظمت قوة الروابط الداخلية للجماعة على أساس الهوية الدينية ، وأنقبضت الكتل الاجتماعية الفرعية وعلى رأسها الطائفية على ذاتها لتشكل ثقوب سوداء اجتماعية.
مع دخول رجال الأعمال إلى الساحة إزدادت عملية تراجع المعابر الاجتماعية خاصة في ظل مناخ يصر فيه بعض المسلمين والمسيحين من أصحاب الأعمال اعتماد ديانة الشخص كأحد معايير القبول في الوظائف وإن يكن بشكل عرفي، كما أن رجال الأعمال المسيحين ولعدة أسباب أرتبطوا بشكل أو بآخر بالدولة والمؤسسة الكنسية لتكتمل الدائرة.
كان من نتائج هذه التحولات السياسية والاجتماعية أن أصبحت رؤوس المعابر الاجتماعية التي تتدفق منها الموارد المادية والاجتماعية بين الأقباط والمسلمين تحت سيطرة الدولة ورجال الأعمال ورجال الدين. ومن الناحية القبطية أصبح رجل الدين هو المعبر عنهم وهو الذي يحصد فائض الثقة من خلال موقعه الديني ( وربما من خلال شكله الرمزي وملبسه ولغته الدينية) . فالدولة تستجيب فقط لمطالب رجل الدين وهي تبحث عنه في بعض الأحيان لتمرير بعض الصفقات أو لضمان استقرار قطاع من قطاعات المجتمع . ومن ناحية أخرى فإن تدفق الموارد من خلال رجال الدين لايخدم بالضرورة الحاجات الاجتماعية والاقتصادية للأقباط.
وربما نحتاج لبحوث جادة لدراسة حركة تدفق الموارد في الشبكة القبطية، لكننا هنا نكتفي بالإشارة إلى أن الهم الأساسي لرجل الدين هو ضمان عدم خروج أحد من الطائفة ليس فقط إلى دين أخر وإنما إلى طائفة أخرى. فمن المنطقي أن يكون لصاحب المشروع الديني أورجل الدين اهتمام وهم ، واهتمامه هو طائفته الدينية وهمه هو تقويتها إلى أعلى مستويات القوة. ويدرك أولا يدرك فمشروعه في النهاية يقوض مشروع الوطن بوصفه أرض الأجداد لكل من يعيش عليها ومن حقه أن يتقاسم مواردها المادية والاجتماعية أيضاً. ففي مشروع الطائفة تحتل المؤسسة الرسمية وقوتها سلم الأولويات بينما يأتي مفهوم تطور الأفراد داخل المنظومة الاجتماعية فيالمرتبة الثانية، إن كانت له أية اهمية. وفي النهاية إنعزل الأقباط أم عزلوا، النتيجة واحدة إلا أن هذه العزلة لا تعني بالضرورة زيادة رأس المال الاجتماعي للأقباط ولكنها بالتاكيد تدهور لرأس المال الاجتماعي لمصر.