________ _______..doc
Download originalThe page view preserves document formatting. Word and Office documents are rendered as PDF; fonts and pagination may vary.
Listen / accessible text
Listening text and controls
Reading text uses the stored archive index when available. Document text preserves reading order where available; original layouts, formulas and embedded images may differ. Speech reads the text as written and does not translate it.
المتفائل والدءوب: نماذج فكرية حوارية من مسيحيي الوطن العربي نبيل مرقس و حنا جريس 1- مقدمة : تطرح التحديات التي تواجه العلاقات الإسلامية المسيحية في مصر والوطن العربي في اللحظة الراهنة أهمية استدعاء النماذج التاريخية الملهمة التي تعيد إلينا الثقة الكاملة في سلامة عقائدنا الوطنية وفى تماسك إنتمائنا المشترك إلى حضارة واحدة يصعب على المحتل والدخيل تفكيكها وإختراقها بهدف تحقيق مصالحه ورغبته المزمنة في السيطرة على مقدراتنا ومواردنا. في جريدة الشروق عدد 13 سبتمبر 2010 ، تحدث الأستاذ سمير مرقس عن العلاقات المسيحية – الإسلامية في مصر بين "المقاطعة" و"الاستغناء"، وشرح ما تم رصده على شبكه المعلومات الدولية من رسائل إعلامية حادة يرفعها كل طرف تجاه الطرف الآخر. الطرف الإسلامي في أكثر رسائله إعتدالاً ينادى بمقاطعة الأقباط نتيجة الإحساس بأن هناك من يخطط للتقليل من الإسلام وإضعافه. وعلى الجانب الآخر يشعرك الأقباط بأنهم في حالة إستغناء عن الآخر لهم عالمهم ودنيتهم كملة أو كجماعة دينية ، وذلك من جراء أحداث العنف الديني المتتالية . وفى حديثه إلى جريدة الكرامة يوم 6 سبتمبر 2010 ، يقودنا الأستاذ المستشار طارق البشرى إلى العلاج الناجع لما إعترانا من وهن وتفكك: فكرة المواطنة التي يجب علينا جميعاً أن نؤكد عليها بمعنى المساواة الكاملة والشاملة في كل مجالات الصلاحية للعمل العام والخاص، وهى مناقضة لكل فكرة تميز وتمايز بين المصريين ، وتفرزهم ولا تدمجهم . فكل ما يتعلق بمسألة المساواة يجب علينا طرحه من جديد بنزاهة وإستقامة ، ولنثر كل المشاكل المتعلقة به لنحلها حلاً جذرياً باعتباره القضية الأساسية في حياتنا . والحقيقة أن ما يجرى الآن هو عرض زائل لن يستمر، فمن المستحيل على أقباط مصر أن ينعزلوا عنها لأنهم جزء أصيل ومكون أساسي في شخصية وطبيعة وحياة مصر، لذلك علينا في هذه الفترة أن نتعامل مع ما يحدث بتسامح واستيعاب إلى أن يعود الوضع إلى طبيعته الحقيقية السليمة التي تتلخص في أن "أقباط مصر نمتلكهم كما يمتلكوننا". وفى هذا الإطار المتفائل بحتمية العودة إلى طبيعتنا وفطرتنا الحقيقية السليمة التي تجسده في صحيح عقائدنا وفى تاريخنا وإيماننا المشترك ، نبرز نموذجنا الفكري الأول الذي يجسد هذا الإيمان المتفائل بحتمية العودة إلى الإدراك الأصيل المشترك لأوضاعنا الإسلامية المسيحية على أرض الوطن الواحد. ب- النموذج الفكري الأول : المتفائل (د.وليم سليمان قلادة)[1] لقد كتب د. وليم سليمان قلادة – إبن الدولة المصرية وإبن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – تحت عنوان "في أصول الصيغة المصرية للوحدة الوطنية" الدراسة التي نشرت في عام 1982 في كتاب الشعب الواحد والوطن الواحد بالمشاركة مع المستشار طارق البشرى والدكتور مصطفى الفقى مع تقديم من الدكتور بطرس بطرس غالى ، كتب يقول : .. الإسلام لم يستبعد من المجتمع الذي يهيمن عليه تعدد الأديان في مكونات الشعب . هذا "التسامح " ليس خاتمة ولكنه بداية ، أي فرصة ممنوحة لهذه المكونات لتقدم إسهامها في خدمة المجتمع . بعض المكونات اكتفت بذلك وعاشت على هامش الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية . ولكن البعض الآخر دخل من باب التسامح إلى مجال المشاركة الكاملة في كل هذه المجالات لأسباب موضوعية تتعلق به وبصلته بالأرض وتاريخها وأساليب إنتاجها ، ولأن باقي المكونات – الفاتحين الذين صاروا فيما بعد جزءاً رئيسياً من هذا الشعب- رحبت بهذه المشاركة . وفى مصر بدأ هذا كله منذ لقاء عمرو وبنيامين . ثم وجد المسلمون المصريون في مصر - أرضاً وشعباً – قيمة دينية أسبغوا عليها بردة الإسلام. وأصبح المؤمنون جميعاً مسلمون ومسيحيون يحيطون هذه الأرض – التي يعيشون عليها يظللهم فيها مبدأ المساواة - ببركة الإله الواحد ورعايته. التوجه للإسلام الآن لا يكون باعتباره ماضياً نتذكره ولكن باعتباره واقعاً حياً ومستقبلياً. فنقطة الانطلاق فيه دائماً معاصرة بمعنى أن منهج "التسامح" الذي بدأه فأثمر هذه الثمرة الطيبة، ما زال يفرض نفسه، فتكون النتيجة التي أدت إليها البداية هي نقطة انطلاق جديدة إلى آفاق إنسانية ووطنية وعربية وإسلامية أرحب . فالإسلام لا ينفى إنجازاً تم في ظله وإلا كان ينفى نفسه، بل أنه ليعتز بهذه النتيجة لتكون هي البداءة في مسار جديد، وبمنهجه الثابت يعطى لهذه النتيجة الفرصة المتجددة كي تزدهر بالأكثر وتعطى ثمراً جديداً ثلاثين وستين ومائه لمزيد من الوحدة والتعاون والتقدم والازدهار. وبرغم أن د. وليم سليمان قد رفعنا بهذا النص وهذه الرؤية إلى ذروة التفاؤل والثقة في مستقبل العلاقات الإسلامية المسيحية في مصر والوطن العربي ، التي رآها البعض مثل د.رؤوف عباس المؤرخ المصري المعروف أنها قد تصل في تحمسها الوجداني لفكرة الخصوصية المصرية إلى حد القراءة الانتقائية للتاريخ : ... ولى ملاحظة أن الدكتوروليم يقرأ التاريخ بجانبه الوجداني ويتبع أسلوب الانتقاء ، فاختار الجانب الايجابي فقط وأغفل جوانب أخرى... فهضم مصر للحضور الإسلامي كان صعباً والعملية أخذت وقتا طويلا ، وأضافت قدرا كبيرا من البطش وخاصة مع ثورة 216 هجرية للمأمون التي كانت مؤلمة ودامية وكانت نقطة تحول في إسلام مصر. فبعدها تحول جانب كبير من الأقباط إلى الإسلام. لكن هذا لا ينفى أن هناك خصوصية للحضارة المصرية . وهى خصوصية استيعاب الوافد وطبعه بطابعه. حتى أن أقباط مصر عندما أسلموا ، احتفظوا في أعماقهم بالوجدان المصري . فنجد أن الدين الشعبي في مصر سواء الدين الشعبي القبطي أو الدين الشعبي الإسلامي ، له ضرورة مصرية تراثية وهذا موضوع يأخذ وقتاً طويلاً في بحثه. أما الفترة التي أشارت إليها المحاضرة وهى التي عبر منها أهل الأرض الخط ليصلوا إلى السلطة من خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر. فهذا لم يتحقق إلا بتوفر ظروف موضوعية معينة، مثل تجربة محمد على وبناء مؤسسات الدولة المدنية لأول مرة في تاريخ مصر وعدم وجود إتجاه تمييزي عند محمد على . فنجد رفاعة الطهطاوي يدافع في مقدمته عن محمد على في إستعانته بالنصارى سواء قبط أو أروام أو شوام ، ويضطر أن يأتي بالحديث الشريف "أطلبوا العلم ولو في الصين" . فإذا كان الرسول كلفنا بطلب العلم ولو من الصين ، فمن باب أولى أهل الكتاب. (من كتاب المواطنة : تاريخياً – دستورياً – فقهياً ) برغم أن د. وليم قد رفعنا برؤيته المذكورة سابقاً إلى ذروة الثقة والتفاؤل ، فإنه لم يتركنا كثيراً محلقين في أجواء التفاؤل ، بل واجهنا أيضاً بلحظات الجدل والارتداد والتراجع التي تنتاب العلاقات الإسلامية المسيحية في مصر ( وربما أيضاً الوطن العربي بمجمله). ففي نصه المعنون "العلاقات الإسلامية – المسيحية في الواقع المصري: المفهوم الأساسي في الماضي والحاضر والمستقبل" المنشور في عام 1994، كما في كتاب المستشار طارق البشرى "المسلمون والأقباط في إطار الجماعة الوطنية"، يتم تذكيرنا بلحظات الارتداد عن فكرة ومشروع الشعب الواحد والوطن الواحد في أحداث تاريخية بعيدة وقريبه : 1-هجوم الإرساليات الأجنبية على الإسلام مما ترتب عليه أن قامت حركة جدال ديني كانت إحدى العوامل التي أحدثت الشقاق في الجماعة الوطنية المصرية. وكان كتاب "ميزان الحق" الذي ألفه كارل جوتليب بفاندر الذي ظهرت طبعته العربية الأولى عام 1865 وأعيد طبعه في أعوام 1874 و 1880 و1910 و1915 بمثابة إعلان للحرب الدينية بين المسيحية والإسلام. وجاء كتاب "إظهار الحق" الذي ألفه رحمة الله بن خليل الهندي الساهارانفورى بمثابة الهجمة المضادة الرئيسية رداً على ميزان الحق . وقد تم نشره في تركيا عام 1867 و 1888 وفى القاهرة أعوام 1891، 1899. 2- السياسة البريطانية والتفرقة الطائفية وتمثلت هذه السياسة، في أن تعمل السلطة البريطانية من خلال الحكومات المصرية التابعة لها على أن تستبعد الكثير من القبط من وظائفهم بالتدريج، وأن تثير في العناصر الحاكمة من أتباعها المسلمين معايير " العدالة الانجليزية" التي أشار إليها كرومر ، والإحساس بالفوارق الدينية ، وحق "الأغلبية" في المناصب الرئيسية، مع تقدير أن هذه السياسة ستلتصق تلقائياً بالحكومة المحلية المسلمة. 3- أحداث الشقاق الطائفي من خلال المؤتمرين القبطي والمصري (الإسلامي) عمل مثيرو الشقاق على استخدام حادث اغتيال بطرس غالى رئيس الوزراء سنة 1910 على يد إبراهيم الوردانى في تفجير الخلافات الطائفية ، وذلك برغم الأسباب السياسية الواضحة التي دفعت الوردانى بمشاعره الوطنية إلى اغتيال بطرس غالى الذي كان مسئولاً عن تسليم السودان للإدارة الانجليزية في 1899، والذي رأس محكمة دنشواي في 1906، والذي كان يعمل على مد إمتياز قناة السويس أربعين عاماً بعد انتهائه. وكان ذروة هذه الأحداث عقد المؤتمر القبطي في 6 مارس 1911، والمؤتمر المصري (الإسلامي) في 29 أبريل 1911. وقد تجاوزت مصر تلك الأحداث من خلال انتفاضه المحكومين المصريين من مسلمين وأقباط في مواجهة سلطة الاحتلال البريطاني في سياق ثورة 1919. 4- تصاعد الخصام الفكري والسياسي بين حركة الإخوان المسلمين الوليدة والأفكار والمؤسسات التي ارتبطت تاريخياً بثورة 1919، ومنها حزب الوفد حزب الثورة وممثل الأغلبية والنظام الدستوري الذي تم تطويره من خلال دستور 1923. 5- وفيما بعد قيام ثورة يوليو 1952، تصاعد أحداث العنف الطائفي والديني في السبعينات والثمانينات والتسعينات من القرن الماضي واقتران أعمال الإرهاب المادية بموجة من الجدل العقائدي بالغة الشراسة . ويعقب د.وليم سليمان على هذه العلامات السلبية في التاريخ المصري الحديث، بأن ثمة خطاً متواصلاً موازياً لمسار الحركة الوطنية المصرية ينطلق ويتواصل خارج مقومات الكيان المصري وخارج الخصوصية المصرية ولا يرتبط بالوطن المصري ولا بأهداف الحركة الوطنية المصرية التي تسعى لاستخلاص الاستقلال والسيادة لهذا الوطن وضمان صفه المواطنة وحقوقها وواجباتها لأبنائه. وينطوي هذا الخط على مفهوم لمضمون الدين مغاير لخبرة التدين المصري لا يعرف التعددية ولا المساحة المشتركة من المفاهيم والقيم بين أديان الجماعة الوطنية التي تثرى حركة الجماعة وتدعم قوتها وتحفظ وحدتها. ولا يتخلى د. وليم بعد حديثه الأدنى إلى الواقع عن دورات الجدال واللقاء والارتداد التي تنتاب العلاقات الإسلامية – المسيحية في مصر (والوطن العربي)، لا يتخلى عن نبرة الثقة والتفاؤل ويجسدها في خاتمة دراسته السابق الإشارة إليها بتأمل فيما يمثله نصب الجندي المجهول المقام في مدينة نصر في ذكرى شهداء حرب أكتوبر المجيدة ، فيقول : ....وسط هرم النور الذي تضم أضلاعه أسماء المصريين من كل المحافظات وتتبدى أسماء الأقباط ممتزجة بأسماء المسلمين ، يستقر جسد جندي مجهول، لا يعرف أحد اسمه أو موطنه أو دينه. هو جندي مصري وحسب.ولكنه بالإضافة لما يمثله من وحدة هذا الشعب ، فإنه أيضاً يمثل الطاقة المعجزية المجهولة في أغلب الأحيان والتي لا تنفد، الكامنة في كيان الشعب الذي أنجبه، كما يمثل القدرة على تجاوز الزمان الردئ ، وتخطى الردة والقيام – كالعنقاء الخالدة – إلى حياة جديدة منتصرة. ومع نبرة التفاؤل المشرقة لا ينسى د. وليم سليمان أن يمدنا بأربعة قواعد للحوار بين الأديان: القاعدة الأولى (عن الآخر) وهى تدعو إلى فهم الآخر كما يريد هو أن يكون مفهوماً. القاعدة الثانية (عن الشخص) وهى تؤكد أن الحوار ليس فقط دعوة لفهم الآخر ولكن كي يزداد الشخص المشارك فيه تفهماً لعقيدته حتى يستطيع عرضها للآخر بأسلوب مقنع. القاعدة الثالثة (عن المطلق) وهى تؤكد أن الإيمان الأصيل بالله يعنى أن المتدين يؤمن بأن الخالق الذي يؤمن بوجوده هو المعتنى بجميع البشر مهما اختلفت فيما بينهم الأجناس والأديان والعقائد. القاعدة الرابعة (عن الممارسة) وهى تؤكد أن جوهر الدين ليس مجرد المعرفة النظرية وحسب، وإنما الممارسة العملية أيضاً . أي إلتحام المبدأ بالواقع ثم إلتزام الموقف والتبعات الناشئة من هذا الالتحام . بهذا التفاؤل وبهذه القواعد التي تنظم الحوار بين الأديان وبين المتدينين، يتركنا د. وليم سليمان أكثر ثقة في المستقبل وأكثر قدرة على التعامل الايجابي مع دورات الجدال واللقاء والارتداد التي تنتاب وتتناوب على أوضاع العلاقات الإسلامية – المسيحية في مصر والوطن العربي. ج- النموذج الفكري الثاني : الدءوب ( جرجى زيدان) [2] نموذجنا الفكري الثاني يتعلق برجل من الشام جاء من بيروت إلى الديار المصرية عقب الحوادث العربية ليدرس الطب في مدرسة قصر العيني، غير أن طول المدة لينال الشهادة الطبية حوّل عزمه عن صناعة الطب فاشتغل بالصحافة وتولى تحرير جريدة الزمان مدة سنة أو تزيد . ثم يعود إلى بيروت سنة 1885 حيث يمكث هناك حوالي عشرة أشهر يطالع اللغات الشرقية فيدرس العبرانية والسريانية وأخواتهما ويضع على إثر ذلك كتابه في الألفاظ العربية والفلسفة اللغوية . ثم يعود إلى مصر حيث تطلب إليه مجلة المقتطف أن يتولى إدارة أشغالها فيفعل حتى عام 1888. ثم يستقيل من عمله في الصحافة وينصرف إلى الكتابة والتأليف ويصدر تاريخ مصر الحديث في مجلدين كبيرين، ويؤلف تاريخ الماسونية العام وهو أول كتاب كُتب باللغة العربية في هذا الموضوع. ثم يؤلف التاريخ العام وهو مختصر تاريخ ممالك آسيا وأفريقيا القديمة والحديثة . وفى أواخر سنة 1889 تنتدبه المدرسة العبيدية الكبرى لطائفة الأرثوذكس بمصر ليتولى إدارة التدريس العربي فيها فيتولاها مدة سنتين يكتب خلالها رواية المملوك الشارد وهى أولى رواياته وقد صادفت إقبالاً واسعاً حتى طبعت أكثر من مرة . وفى عام 1890 يؤسس "إدارة التأليف" بالاشتراك مع نجيب متري، ثم ينفصلا بعد عامين ليؤسس صاحبنا جرجى زيدان "دار الهلال" ويؤسس نجيب متري "دار المعارف". وفى أول نشأه دار الهلال كان يتولى كل أمورها بنفسه من إدارة وتحرير ومكاتبات وغير ذلك، حتى إذا اتسع نطاق المجلة عهد بإدارتها إلى شقيقه وإنقطع هو إلى التأليف والتحرير فكتب بعد نشأه الهلال مؤلفات عديدة سنأتي على بيانها. أهم مؤلفاته تاريخ مصر الحديث (جزءان) ، تاريخ التمدن الإسلامي (5 أجزاء) ، تاريخ العرب قبل الإسلام، تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر (جزءان)، تاريخ آداب اللغة العربية (4أجزاء)، الفلسفة اللغوية والألفاظ العربية ، تاريخ الماسونية العام، تاريخ اللغة العربية ، أنساب العرب القدماء، علم الفراسة الحديث، طبقات الأمم، عجائب الخلق . وقد نقل تاريخ التمدن الإسلامي إلى خمس لغات: الأردية والتركية والانجليزية والفرنسية والفارسية. وقد ألف أيضاً 22 رواية تاريخية جعلها متسلسلة منذ ظهور الإسلام تتناول كل واحدة منها عصراً تاريخياً فتصف رجاله وعاداته وحوادثه مع المحافظة على الأصل بقدر الإمكان . وقد ظهر من سلسلة روايات تاريخ الإسلام 18 حلقة بيانها كالتالي: فتاة غسان (جزءان)، أرمانوسة المصرية ، عذراء قريش، 17 رمضان ، غادة كربلاء، الحجاج بن يوسف، فتح الأندلس ، شارل وعبد الرحمن، أبو مسلم الخرسانى، العباسة أخت الرشيد، الأمين والمأمون، عروس فرغانة، أحمد بن طولون، عبد الرحمن الناصر، فتاة القيروان، صلاح الدين ومكايد الحشاشين، شجرة الدر، الانقلاب العثماني. بالإضافة إلى 4 روايات خارج هذه السلسة وهى : المملوك الشارد، أسير المتمهدى، إستبداد المماليك، جهاد المحبين. وقد نقلت هذه الروايات إلى اللغات الأردية والفارسية والأذربيجانية والتركية والفرنسية والانجليزية والروسية والبرتغالية. وقد إشتهر جرجى زيدان بالدأب على العمل حيث كان يعمل ستة عشر ساعة متوالية في اليوم، ويكتفي من النوم بأربع ساعات إلى آخر حياته. واشتهر أيضاً بالقدرة على تعلم اللغات بجهده الذاتي، حيث تعلم الألمانية في بضعة أشهر حين رأى حاجة إلى الاطلاع على ما ألفه الألمان في آثار العرب وآدابهم . وإشتهر أخيراً بالدأب على الإنتاج العلمي والأدبي برغم كل الانتقادات التي كانت توجه له. لذا فقد دعوناه بالدءوب. ويبدو أن تصدى أحد الكتاب المسيحيين لكتابه " تاريخ التمدن الإسلامي" بأجزائه الخمس(*) قد أثارت بعض الحساسيات لدى كبار العلماء والفقهاء المسلمين المعاصرين لجرجى زيدان، وقد انبرى عدد منهم لتنفيذ بعض ما عاينوه من قصور في مادته التاريخية وأيضاً في نقص إحاطته بكافة أحكام وأطروحات ومناهج العلوم الإسلامية. وكان على رأس هؤلاء النقاد الذين أسهموا بالتعليق المهذب والانتقاد الرقيق ، الشيخ محمد رشيد رضا في مقدمته لكتاب "انتقاد كتاب تاريخ التمدن الإسلامي" الذي كتبه الشيخ شبلي النعمانى . فكتب الشيخ رشيد رضا يقول : أما بعد فإن علماء الإفرنج قد سبقونا إلى وضع تاريخ سلفنا في القالب العلمي الحديث . ثم حذا حذوهم رصيفنا الفاضل جرجى أفندي زيدان بكتابه الذي سماه (تاريخ التمدن الإسلامي) فشكر له عمله هذا المسلمون عربهم وعجمهم بإقبالهم عليه وترجمتهم إياه إلى عدة لغات وثنائهم عليه. ولكن الرجل أقدم على هذا الأمر ولم يعد له كل عدته، ولا أخذ له جميع أهبته، لما رأى مجال القول واسعاً ، وميدان الكتابة واسعاً ، وكلاهما خال من فرسان الكلام، وحملة أسلات الأقلام، وظن أنه يكفيه من الاستعداد لذلك إقتباس أسلوب الإفرنج فيه ومراجعة كتبهم العربية الجامعة لمادته، ككتب الدين والأدب ، والتاريخ والنسب، وإن كان لم يأخذ هذه العلوم عن أهلها ، ولا عرف فرعها ولا أصلها، ولعله لم يقرأ شيئاً من كتبها قراءة دراسة وبحث ، إلا بعض كتب التاريخ المعروفة ، لأنه لم يكن مسلماً ولم يترب في مدرسة تقرأ فها العلوم الإسلامية لم يكن له باعث على تحصيل هذه العلوم ، وإنما رأى نفسه محتاجاً إلى مراجعة كتبها ، عندما قام في نفسه الباعث للتأليف فيها، ومن كان هذا شأنه لا يتسنى له فهم ما يراجعه من المسائل حق الفهم، وقد قال الفقهاء: إن نقل المخالف في المذهب لا يعتد به لأن الفقه – وإن كان فناً واحداً- تختلف اصطلاحات المذاهب وأصولها فيه، وطرق الترجيح والتصحيح لمسائله، فمن يراجع عند الحاجة كتاباً في غير مذهبه الذي تلقاه بالمدارسة لا يوثق بفهمه لما يراجعه فيه، وكثيراً ما يغتر بغير الصحيح المعتمد عند أهله منه، وإذا كان الأمر كذلك في نقل فقيه مذهب لبعض المسائل من مذهب آخر فأجدر بالمخالف في أصل الذي ينظر إليه في غير مرآته، والذي لم يتدارس شيئاً من علومه ، أن لا يعتد بفهمه، ولا يوثق بنقله، مهما كان متحرياً للحق ، صدوقاً في النقل، ينقل ما ينقله بالحرف، فإذا كان ينقل بالمعنى كما هو دأب صاحب تاريخ التمدن في الغالب فإن خطأه يكون أكثر. وعلى الجانب الآخر يرى الدكتور حسين مؤنس أستاذ التاريخ الإسلامي الأسبق بجامعة القاهرة في تقديمه لطبعة 1968 من كتاب "تاريخ التمدن الإسلامي" أن جرجى زيدان قد أحدث نقله نوعيه في الدراسات العربية الإسلامية في بدايات القرن العشرين: وسط هذا الجمع الحاشد من الباحثين والدارسين ظهر جرجى زيدان وانفرد من بين معاصريه من مثقفي العرب بالمعرفة التامة للإنجليزية والفرنسية والألمانية واللاتينية والإلمام بأطراف من الايطالية والأسبانية، مع معرفة بأصول فقه اللغات، وكان قد توفر عليه زماناً حتى برع فيه، فأقبل يقرأ ويدون ويسجل بهذا الشوق إلى المعرفة الذي كان أظهر خصاله، وأكب على ذلك العمل ست عشرة ساعة متوالية في اليوم، حتى لقد كان يكتفي من النوم بأربع ساعات إلى آخر حياته. وكانت الدراسات العربية فى مهدها فى الشرق آن ذاك، وكان من يكتبون في تاريخ الإسلام يجرون على منهج رواه المسلمين القدامى مع شئ من التحسين القليل، كما نرى في "محاضرات التاريخ الإسلامي" للشيخ محمود الخضري، ولم يكن لهم بعالم الاستشراق أو بالأبحاث الجديدة صلة، فظهر جرجى زيدان ، بمعرفته للغات وإطلاعه على المناهج الحديثة، فكان أشبه بهمزة وصل بين الحركة العلمية العربية الناهضة وحركة الاستشراق المتدفقة النشاط في أوروبا وأمريكا... وهكذا بينما يرى د. حسين مؤنس في الانفتاح على المناهج الحديثة وأبحاث المستشرقين تفاعلاً إيجابياً مع تيارات الحداثة الوافدة من العالم الغربي، فإن الشيخ رشيد رضا يعبر بقوة عن المخاوف التقليدية من علو تكلفة الانفتاح الكامل على تيارات التحديث الغربية والخشية من تآكل الهوية الحضارية الإسلامية في مواجهة تيارات التغريب الجارفة . وهو خلاف قديم تأجج مع بداية القرن العشرين وما زال مشتعلاً حتى اللحظة الراهنة. بقى أن كتابات جرجى زيدان مازالت تمثل سبقاً فكرياً جسوراً ، فهي تجسد تطلع وطموح المسيحيين العرب إلى الاندماج الكامل في كافة مناحي الحضارة العربية الإسلامية معرفةً وممارسةً وإنتماءاً . فرؤية صاحب "تاريخ التمدن الإسلامي" تؤكد أنه يرى نفسه منتمياً بالفكر والحضور الانسانى إلى الحضارة العربية الإسلامية ، وهو يرى أن : تاريخ الإسلام هو من أهم التواريخ العامة لأنه يتضمن تاريخ العالم المتمدن في العصور الوسطى، أو هو حلقة موصلة بين التاريخ القديم والتاريخ الحديث . فيه انتهى التمدن القديم ، ومنه أشرق التمدن الحديث. (من مقدمة الطبعة الأولى من كتاب تاريخ التمدن الإسلامي) وهو يقدم كتابه في "تاريخ التمدن الإسلامي" إلى قراء العربية المتلهفين على قراءة تاريخ لسانهم وأمتهم وبلادهم وتاريخ تمدنهم وآدابهم وعاداتهم . وهو يؤكد على أن : تاريخ الأمة الحقيقي هو تاريخ تمدنها وحضارتها ، لا تاريخ حروبها وفتوحها وخصوصاً على ما تعوده مؤرخو العرب في تاريخ الإسلام. فإنهم يسردون الوقائع على علاتها، وقلما يشيرون إلى الأسباب التي تربط تلك الوقائع بعضها ببعض بحيث يرتاح العقل إلى تعليلها والنظر إليها وترسخ في ذهنه حقيقة تلك الأمة. وهو يكتب مدفوعاً بإحساس جارف بالانتماء الحقيقي وليس الشكلي إلى الحضارة العربية الإسلامية بتاريخها ولغتها وآدابها . وهو يجسد بالتالي وعيه وإدراكه لما يصفه لنا الأستاذ فهمي هويدى بلغة معاصرة تحت عنوان "الإسلام الحضاري" : .. الإسلام الحضاري شئ مختلف ، فالدين في ذلك المفهوم له وظيفته الاجتماعية. من ثم فهو مشروع للنهضة يتطلع إلى المستقبل . وفيما يلتزم بقيم الإسلام ومقاصده، فإنه يرى في إبداعات العصر وخبرات الآخرين – التي هي إنسانية بالدرجة الأولى – أدوات لا غنى عنها للمضي على طريق التقدم . وفى انطلاقه من الإسلام فإنه ضد الدولة الدينية – بالمفهوم الغربي الشائع- التي تقوم على سلطة رجال الدين واحتكارهم القرار أو إحتمائهم بالغيب ، حيث ليس فى الإسلام شئ من ذلك القبيل . في الوقت ذاته، فالإسلام الحضاري هو في الأساس منحاز على طول الخط مع الحرية والديمقراطية والتعددية . وفيما يعتبر "النساء شقائق الرجال" كما يقرر الحديث النبوي ، فغير المسلمين "لهم ما لنا وعليهم ما علينا"، كما يقرر المبدأ الإسلامي. وفى كل الأحوال فليس الإسلام الحضاري جماعة بذاتها ، وليس له وكيل معتمد أو ممثل شرعي وحيد، ولكنه فكر يتجاوز الجماعة أو الحزب. ومشروع لا تشغله السلطة ولكنه معنى بالمجتمع ، ولا يتجه إلى الماضي وإنما يتطلع إلى المستقبل. (طوق النجاة ، مقال بجريدة الأهرام ، 27 يوليو 1993) ونحن نضيف إلى هذا الفهم، أن الإسلام الحضاري هو فرصة المشاركة الخلاقة للجميع في نشر الرسالة الحضارية للإسلام وبناء المشروع الحضاري المشترك بين المسلمين وكافة أبناء الأمة العربية الإسلامية من خلال تحويل التراث الحضاري والثقافي المشترك بين المسلمين وغير المسلمين ليصبح تاريخاً أصيلاً وتراثاً حاضناً لكافة التكوينات الدينية والثقافية والعرقية في المنطقة العربية، ويصبح أيضاً نبعاً للهوية الحضارية المشتركة لكل أبناء المنطقة في مواجهة التحديات الخارجية ومحاولات التفكيك والتجزئة والهيمنة التي تسعى إلى منع شعوب المنطقة من تحقيق ذاتيتها الحضارية واستكمال محاولاتها الدءوبة للتقدم والتحديث والازدهار. مصادر الدراسة: 1) إسماعيل صبرى عبد الله، وليم سليمان قلادة، محمد سليم العوا (مؤلفون)،المواطنة: تاريخياً – دستورياً – فقهياً ، المركز القبطي للدراسات الاجتماعية، القاهرة، 1998. 2) ترجمة حياة جرجى زيدان(1861-1914)، دار الهلال ، القاهرة 1915. 3) جرجى زيدان ، تاريخ التمدن الإسلامي، الجزء الأول ، دار الهلال، القاهرة، 1968. 4) سمير مرقس، العلاقات المسيحية-الإسلامية في مصر بين "المقاطعة"و"الاستغناء"، جريدة الشروق، العدد 590، القاهرة،2010. 5) شبلي النعمانى، انتقاد كتاب تاريخ التمدن الإسلامي، مطبعة المنار، القاهرة ، 1330 هجرية. 6) طارق البشرى، المسلمون والأقباط في إطار الجماعة الوطنية، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الرابعة، 2004 . 7) طارق البشرى، أطالب بمقاطعة الانتخابات القادمة، جريدة الكرامة، العدد 246، القاهرة، 2010. 8) مسعود ضاهر،هجرة الشوام: الهجرة اللبنانية إلى مصر، دار الشروق، القاهرة ، 2009. 9) وليم سليمان قلادة، طارق البشرى، مصطفى الفقى(مؤلفون)، الشعب الواحد والوطن الواحد، مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام،1982. 10) وليم سليمان قلادة، المسيحية و الإسلام على أرض مصر،دار الحرية للصحافة والطباعة والنشر، القاهرة ، 1986. 11) وليم سليمان قلادة، العلاقات الإسلامية – المسيحية في الواقع المصري: المفهوم الاساسى في الماضي والحاضر والمستقبل، نشرت ضمن كتاب "العلاقات الإسلامية – المسيحية: قراءات مرجعية في التاريخ والحاضر والمستقبل"، مركز الدراسات الإستراتيجية والبحوث والتوثيق، 1994 . 12) وليم سليمان قلادة، مدرسة الوطنية المصرية، دراسات ومقالات حول الدكتور وليم سليمان قلادة بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لرحيله، أصدقاء د. وليم سليمان قلادة وأنجاله، القاهرة ، 2000. ----------------------- [1] ولد في 14 مارس 1924 في مدينة فوة بمحافظة كفر الشيخ، وتوفى في 9 سبتمبر 1999 بمدينة القاهرة بمصر. [2] ولد في 14 ديسمبر 1861 في مدينة بيروت بلبنان ، وتوفى في 21 أغسطس 1914 بمدينة القاهرة بمصر. (*) يبحث الجزء الأول في حال العرب قبل الإسلام ، والحكومة في الجاهلية، وتاريخ الكعبة وقريش إلى ظهور الدعوة الإسلامية، وكيفية ظهور الدعوة وانتشار الإسلام، والفتوح الإسلامية إلى قيام الدولة الأموية فالعباسية فالأموية الأندلسية فالفاطمية وغيرها. ويبحث الجزء الثاني في ثروة المملكة الإسلامية وغنى أهلها وحضارتها وعلاقتها بالدول المعاصرة لها ، ووصف أحوال الخلفاء في مجالسهم واهتمامهم بالعلم والعلماء والشعر والشعراء ، والأبنية الإسلامية والمدن الإسلامية ...الخ. ويبحث الجزء الثالث في العلوم والآداب والشعر والصناعة وحالها في الشام والعراق قبل الإسلام، وكيف ارتقى بها المسلمون وتاريخ ذلك الارتقاء ومقداره . ويبحث الجزء الرابع في الآداب الاجتماعية في تلك العصور الزاهرة . ويبحث الجزء الخامس والأخير في بيان مقارنة بين التمدن الافرنجى الحديث والتمدن الإسلامي الذي تم تفصيله في الأجزاء السابقة.
Only voices installed on your device are offered. Install an Arabic voice in your device settings if none appears.