الكنيسة والنيل.doc
Download originalThe page view preserves document formatting. Word and Office documents are rendered as PDF; fonts and pagination may vary.
Listen / accessible text
Listening text and controls
Reading text uses the stored archive index when available. Document text preserves reading order where available; original layouts, formulas and embedded images may differ. Speech reads the text as written and does not translate it.
د.حنا جريس 21/5/2010 الكنيسة والنيل توالت التعليقات في مختلف الصحف ومواقع الإنترنت منذ الإعلان بأن الكنيسة القبطية تجري إتصالات بموافقة شبه رسمية مع الكنيسة الأثيوبية بشأن مشكلة المياه في حوض النيل. و استوقفني تخوف بعض ا العقلاء من انجراف القضية ناحية الدين بما يستتبعه ذلك من تداعيات نحن في غنى عنها ، وهو في رأي تخوف مشروع سببه مناخ الاستقطاب الطائفي الحاد الذي يشهده المجتمع المصري والذي عبرت عنه التعليقات التي أشرنا إليها سابقا. غير أنني أرى الأمر في سياق أخر ، فساحتنا الثقافية ومناهجنا التعليمية غيبت عن ذاكرة الجميع الدور التاريخي الذي كانت تلعبه الكنيسة القبطية في علاقات مصر بالنوبة و اثيويبا على مدى الالف واربعمائة عام الماضية ، أي منذ الفتح العربي لمصر. فقبل هذا التاريخ لم يكن للكنيسة أية علاقة بسياسات الحكام في مصر مع النوبة والحبشة كما كان يطلق على أثيوبيا في تلك الأيام ، رغم أن الكنيسة كانت قد القبطية قد أسست كنيسة تابعة لها في منطقة النوبة والحبشة منذ القرن الرابع الميلادي ، وكان نطاق رعويتها يمتد من أسوان حتى عمق البلاد الأثيوبية . وفي القرن السابع الميلادي عندما حاول الصحابي عبدالله بن أبي السرح فتح بلاد النوبة لم ينجح في السيطرة الكاملة على البلاد ، غير أنه استطاع أن يحقق من الانتصارات ما أجبر ملك النوبة إلى توقيع إتفاقية الهدنة المعروفة " باتفاقية البقط" والتي بموجبها تدفع النوبة للدولة الإسلامية جزية سنوبة ، وتحافظ على جريان النيل في أراضيها ليصل إلى مصر . ومنذ هذه اللحظة لجأ الحكام المسلمون إلى استخدام السلطة الروحية للكنيسة القبطية على ملك النوبة والحبشة لحل ما يعترضها من أزمات خاصة تلك المتعلقة بجريان مياه النيل وقت إنخفاض الفيضان. وتاريخنا الذي لا نقرأه ملئ بالكثير من قصص الوساطات التي قامت بها الكنيسة في كافة العصور الإسلامية وحتى القرن العشرين. وفي تاريخ البطاركة لساويرس بن المقفع ما يؤكد أن الكنيسة القبطية حاولت أن تنظم سياساتها في النوبة والحبشة بما يتلائم مع المصالح الاستراتيجية للحكم في مصر وخاصة فيما يتعلق بمياه النيل. فعندما أرسل ملك الحبشة إلى الخليفة الحافظ (1132-1149) يطلب منه التوسط لدى البطريرك غبريال بن تريك (1131-1145) لزيادة عدد أساقفة الحبشة رفض البطريرك وأرسل إلى الخليفة ينبه إلى ما في ذلك من خطورة قد تؤدي إلى استقلال كنيسة الحبشة عن الكنيسة المصرية ومن ثم " يخرجهم ذلك إلى العداوة و المحاربة لمن هو متاخم بلادهم من المسلمين كما كانوا يفعلون في قديم الزمان" وبعد أن تحولت النوبة عن المسيحية واختفت كنيستها بقيت كنيسة الحبشة الأثيوبية على تبعيتها للكنيسة القبطية حتى سبعينيات القرن العشرين عندما سقط نظام الإمبراطور هيلاسيلاسي على يد النظام الشيوعي بقيادة منجستو هيلا ماريام . طوال هذه الفترة كان للكنيسة الأثيوبية نفوذ هائل على الحكم في اثيوبيا وكان للكنيسة القبطية تأثير هائل في الكنيسة التابعة لها، كل هذا هيأ الفرصة للكنيسة القبطية للعب دور ما في العلاقة بين مصر وأثيوبيا فيما يخص مياه النيل تحديدا، وربما كان أقرب مثال للذاكرة الوطنية هو الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الذي كان يدرك مدى تأثير البابا كيرلس السادس على الإمبراطور هيلاسيلاسي ، ولعل البعض يذكر الاحتفال الشهير لوضع حجر أساس الكاتدرائية الحالية والصورة الشهيرة التي جمعت الرئيس والإمبراطور والبابا في منصة الاحتفال. غير أني أعتقد أن الدور الذي كانت تلعبه الكنيسة في الحبشة قد تبدل تماما ، فعلى الرغم من استمرار النفوذ الروحي للكنيسة القبطية في جماهير الشعب الأثيوبي إلا أن نظام الحكم العلماني لن يعطي فرصة للكنيسة الأثيوبية للتأثير فيما يراه قرارات سياسية واستراتيجية . كما أن أن الكنيسة الأثيوبية نزعت منذ فترة إلى الاستقلال عن الكنيسة القبطية ، بل أن بها من يرى أن الكنيسة القبطية طالما أساءت استخدام نفوذها الروحي في ما يخص كنيستهم الوطنية ، خاصة فيما تعلق باستقلال أسقف أريتريا تحت إشراف الكنيسة القبطية . وللكنيسة القبطية أيضا بعض مرارة بسبب استيلاء الأثيوبيين على دير السلطان بالقدس بدعم الاحتلال الإسرائيلي . الوساطة القبطية الآن هي إمتداد لدور تاريخي ، وهي من وجهة نظري جهد وطني وليس طائفي. غير أنها تأتي في وقت تغير فيه كل شئ . فقد تغيرت الجغرافيا منذ إنشاء السد العالي، وتغيرت نظم الحكم في المنطقة كلها ، وتغير موقع وموقف المجتمع الدولي ، وأخيرا تغيرت الكنائس فلم تعد تلك العلاقة التاريخية التي كانت على مدى القرون السابقة ولذلك ربما لن تأتي بنفس النتائج، لكن الدفع بكل الجهود مهما بدت صغيرة واستثمار كل الإمكانيات موقف مسئول وجاد علينا ان نثني عليه وأن لا ننجرف وراء مخاوفنا .
Only voices installed on your device are offered. Install an Arabic voice in your device settings if none appears.