Back to file

ساعة الفيل.docx

Download original

The page view preserves document formatting. Word and Office documents are rendered as PDF; fonts and pagination may vary.

Listen / accessible text

Listening text and controls

Reading text uses the stored archive index when available. Document text preserves reading order where available; original layouts, formulas and embedded images may differ. Speech reads the text as written and does not translate it.

د.حنا جريس 25/2/2010 ساعة الفيل ربما كانت أول ساعة ميكانيكية تدق معلنة الوقت ، والساعة من تصميم أحد أهم علماء العصور الوسطى المسلمين ، هو عالم الحيل الهندسية (علم الميكانيكا) بديع الزمان أبو العز بن اسماعيل الجزري المولود في بلاد الرافدين (العراق ) و الذي عاش في القرن الثاني عشر الميلادي في ديار بكر الواقعة في تركيا الحالية . وللساعة تصميم غريب فهي تتكون من فيل مجوف ومملوء بالماء ، وداخله وعاء مثقوب يمتلئ بالماء بحساب ليتم إمتلاءه في نصف الساعة ، وعندها يغطس في الماء جاذبا حبلا مشدودا إليه ، والحبل بدوره يحرك مجموعة من الأدوات تتكون من تنين صيني وطائر العنقاء ورجل عربي يقود الفيل ويمسك عصا تقرع غطاءا نحاسيا لتعلن مرور نصف ساعة من الوقت. هذه الساعة العجيبة وجدت طريقها إلى النور في أيامنا هذه، فقد قام متحف العلوم البريطاني بتنفيذ نموذجا لها بلغ ارتفاعه أكثر من ستة أمتار ليوضع في مدخل معرض يقام هذه الأيام في لندن. والمعرض بعنوان ألف اختراع واختراع ، وهو معرض خاص عن فنون وعلوم العصور الوسطى التي برع فيها العلماء المسلمين. ويأتي المعرض كجزء من مبادرة تعليمية دولية هدفها تعريف أبناء البلدان الأوروبية بإسهامات العلماء المسلمين في العصور الوسطى في الحضارة الإنسانية ، ومساهمتهم الهامة في الكثير من المخترعات التي شكلت أساس لمخترعات حديثة عديدة مثل الكاميرا والموتور والطيران وغيرها. ويصاحب المعرض عدة افلام قصيرة عن هؤلاء العلماء ومخترعاتهم ، وفي فيلم قصير (اقل من ربع الساعة) يصحبك الممثل البريطاني الكبير بن كنجسلي مع مجموعة من الأطفال ليعرفك كيف تعلم علماء العصور الوسطى العلم الكلاسيكي وكيف أضافوا وأخترعوا الجديد الذي وجد طريقه إلى أوروبا ليستمر وهج الحضارة هناك وينطفئ نور المعرفة في الشرق. نحن إذن أمام مبادرة تعليمية تحترم العلم والعلماء وتسعى إلى التثقيف العلمي ، والأهم من ذلك تؤكد على عالمية المعرفة التي تمثلها رمزيا ساعة الفيل ، فالفيل هندي ويعلوه تنين صيني ثم طائر البينو أو العنقاء المصرية وراكب الفيل وأزياؤه عربية والساعة تستخدم قانون الطفو الإغريقي ، كل هذا يأتي في تناغم يجعل أحد الأطفال في الفيلم يصيح : "إنها ساعة أمم متحدة". ورغم إنني لم أزر المعرض لكنه أتى إلي عبر الإنترنت، وبقدر ما استمتعت بالمادة المعرفية المكتوبة والمصورة والمفلمنة بقدر ما إكتئبت وحزنت مما وصلنا إليه من جهل بالعلم والثقافة العلمية، وتحجر في التعليم ، ومن استسلامنا لدارويش التراث في أسوأ أشكاله فنسينا إن نكن قد عرفنا أصلا المعرفة والعلم الذي أنتجنا. والمبادرة ومعرضها وفيلمها وكتبها تثير في القلب أشجان، كيف يتعامل العالم المتحضر والجاد مع العلم وكيف نراه نحن، وكيف يصيغ منظومته التعليمية وكيف نتعثر نحن في منظومتنا. وأكثر من ذلك كيف ننظر نحن إلى محاولات الأخرين لفهم تراثنا وثقافتنا ، وموقفنا من محاولات البعض منهم جعل إنجاز الحضارة الإسلامية رافدا من روافد الحضارة الإنسانية. فعلى الرغم من إدراكي أن عقلاؤنا يفهمون هذا ويقدرونه ، إلا أن ساحتنا الثقافية والعلمية تنظر إلى هذه المحاولات الغربية بعين الريبة والتشكك وإن لم تنس بعض من الافتخار الأجوف الذي يصل إلى المبالغة بأننا من علمنا البشرية كلها كل شئ . وموقفنا من تعامل الغرب مع تراثنا وعلاقته العلم الحديث تلخصها واقعة أظنها فريدة في بابها . وملخص القصة أنه منذ عدة أعوام نشرأحد الباحثين الغربين كتابا بعنوان "فجر العلم الحديث ، الإسلام – الصين - الغرب" وكان هدف الكتاب محاولة الإجابة على سؤال هام ، لماذا ظهر العلم الحديث في الغرب ولم يظهر في الشرق الإسلامي رغم أنه كان يمتلك من العلم والمعرفة ما يفوق أضعاف ما كان متاحا في الغرب؟. وعندما أدرك القائمون على سلسلة عالم المعرفة الثقافية المشهورة أهمية الكتاب قرروا ترجمته. ومن ثم دفع بالكتاب لأحد المترجمين من أحدى الجامعات المصرية لإتمام ترجمته . غير أن المترجم لم يروقه طريقة المؤلف في عرض موضوعه ولا أراءه فقام بالتعليق على أراء المؤلف كلما سنحت له فرصة، وعندها تضخمت حواشي الكتاب المتَرجَم وأصبحت الترجمة هي الكتاب ونقيضه في نفس الوقت. وأضطر المسؤلين عن السلسلة إلى نشر الكتاب على جزءين. ثم أضطر الدكتور فؤاد زكريا كبير مستشاري التحرير إلى كتابة اعتذار للقارئ في مقدمة الجزء الثاني وأن يرجوه أن يتجاهل الحواشي قدرما استطاع حتى يصل إلى جوهر فكرة المؤلف. وأخيرا إضطر مسؤلي السلسلة إلى نشر الكتاب مرة أخرى في ترجمة جديدة بمترجم جديد. إن موقفنا وموقعنا بين تراثنا والعلم الحديث وثقافتنا العلمية وما ينتج عن ذلك من منظومة تعليمية بحاجة شديدة للمراجعة ، فنحن في حاجة ملحة للتعلم من الأخرين إن كنا نريد أن نستعيد وجودنا في الحضارة الإنسانية . وأقترح على من يهمه الأمر أن نبدأ رحلة التعلم بالاتفاق مع متحف العلوم البريطاني على استعارة معروضات هذا المعرض لنعرضها في القاهرة، ولم لا فالعالم يستعير منا ما لا يقدر بثمن من تراثنا المصري فليس أقل من أن نستعير منه بعض المعرفة.

Only voices installed on your device are offered. Install an Arabic voice in your device settings if none appears.