الملاريا.docx
تنزيل الملف الأصلييعرض القارئ تنسيق صفحات المستند. تُعرض مستندات Word وOffice بصيغة PDF؛ وقد تختلف الخطوط وتوزيع الصفحات قليلاً.
الاستماع / النص الميسّر
نص الاستماع وأدواته
يستخدم القارئ النص الأرشيفي المحفوظ عند توفره، ويعرض النص حسب ترتيب القراءة المتاح؛ وقد يختلف عن تنسيق الملف والصيغ والصور المضمنة. الاستماع يقرأ النص كما هو ولا يترجمه.
الملاريا وباء خارج السيطرة إن أردت تلخيصا للحالة الصحية في مصر كما رصدها الأهرام في السنوات الثلاث الأخيرة للحرب العالمية الثانية ، فهي وباء الملاريا الخبيثة. فمن سياق أحداث العام 1942 نعلم أن الملاريا بدأت في الظهور في صعيد مصر في العام السابق 1941 وأنها انتشرت من شمال السودان إلى النوبة ثم اسوان وقنا والأقصر على مدى السنوات التالية، ثم أخيرا حطت في مركز البداري التابع لمحافظة أسيوط في العام الأخير. والملاريا مرض طفيلي يحدثه طفيل يسمى "بلازموديم" ينتقل عبر حشرة البعوض ، ويوجد من هذا الطفيل خمسة أنواع أربعة منها تصيب الإنسان بالملاريا. ومن انواع الملاريا نوع خفيف متوطن في لكن النوع الذي انتشر في أعوام الحرب هو من نوع الملاريا الخبيثة التي تنقلها بعوضة الجامبيا. ومن الأهرام نعلم أن نقاشا قد دار حول مصدر البعوض ، فالرأي الرسمي أنها تسربت لمصر من السودان فوباء الملاريا حدث في بلاد النوبة السودانية عام 1941 ، ثم ظهرت في النوبة المصرية عام 1942 . غير أن هناك من طرح فرضية ان تكون البعوضة انتقلت لمصر من البرازيل التي انتشر الوباء في النوات السابقة وانتقلت منه البعوضة عبر الطائرات والسفن بينما كان البعض يرى مصدر البعوضة محلي وأنها تولد في مصر منذ سنين دون أن يعرف ثم زاد تكاثرها نتيجة لارتفاع مياه السد خلف خزان أسوان . وعلى أي الأحوال فمن الواضح أن الوباء كان عنيفا وأن معاناالصعيد ة منه كانت كبيرة ، فأخباره كانت تغطى الأهرام على مدى الأعوام الثلاثة من 1942 حتى 1944 ، فلا يكاد يمضي يوم دون نشر خبر هنا أو هناك عن الوباء وإجراءات الحكومة لمقاومته والمعارك السياسية التي قامت بسببه واهتمام الملك والعائلة المالكة وتضافر الجمعيات الأهلية مع الجهود الحكومية في مقاومة الوباء. أداء الحكومة كان الدكتور عبد الواحد الوكيل بك، وزير الصحة في الحكومة الوفدية طوال الثلاث سنوات إلا قليلا، هو المسئول عن رسم سياسة مقاومة الوباء ، وكان أهم قراراته التي رصدها الأهرام هو قرار بتأليف لجنة لوضع مشروع قانون ردم البرك ، وكانت اللجنة برياسة الدكتور السباعي حسنين بك وكيل الصحة للمرافق العامة وعضوية حضرات الدكتور محمود أباظة بك مدير أقسام الأمراض المتوطنة ومديري البلديات والصحة القروية، وقسم مقاومة الملاريا . كان الهدف الذي تابعت الأهرام تحقيقه هو القضاء على مناطق توالد البعوضة الناقلة للمرض ومن ثم لزم تعاون كافة الجهات الرسمية تحت قيادة وزارة الصحة . وفي إطار هذه الحملة اعتمد البرلمان ربع مليون جنية لمكافحة الملاريا والقضاء على بيئات توالد البعوض . وتقرر ردم البرك ن حصرها من حيث العدد والمساحات والعمق لتحديد اعمال الردم. كما صدق البرلمان في يناير 1943 على خطة الحكومة وأثنى عليها كما طالب بالمعونة من كبار الملاك تجفيف في أملاكهم من برك ومستنقعات. خبر أخر نشرته الأهرام في شهر أبريل بشأن قرار أصدرته وزارة الصحة يشير إلى خوف الوزارة من انتشار الوباء في عموم البلاد. كان القرار يقضي بتجفيف الأرز في الدلتا. ويبدو أن هذا الأمر أثار حفيظة زارعي الأرز مما دفع الوزارة إلى إصدار بيان بررت فيه مسألة تجفيف الأرز ، ومما جاء في البيان أن زراعة الأرز اشد خطرا في مناطق جنوب الدلتا ، وان التجفيف الهدف منه قتل يرقات البعوض ومنع انتشار الملاريا في الدلتا محافظة على حياة الأهلين ، كما أظهرالبيان بعض التهديد فالوزارة يهمها أن تصل إلى غرضها وهو التجفيف بطريق التفاهم، وإلا ستضر إلى فرض التجفيف بأمر عسكري . أما أخر القرارات الإدارية التي يذكرها الأهرام فهي إصدار تشريع يقضي بالأشراف الإجباري عل وسائل النقل من طائرات إلى سيارات وسكك حديدية وسفن ورشها بالمبيدات لمنع أية عدوى محتملة قادمة من الخارج. وعمليا تعاون الجيش المصري مع وزارة الصحة فقد استخدمت الطائرات في إبادة البعوض ، وكان القسم الطبي في الجيش المصري قد طلب من ورش سلاح الطيران صنع جهاز لرش مسحوق "أخضر باريس" على المستنقعات التي يتفشى فيها ميكروب الملاريا ، وقد صمم الجهاز البكباشي الدكتور عازر دميان وقائد الأسراب ابراهيم حزين ، ولا ينسى محرر الأهرام الإشادة بالجيش المصري ، فقد تمت تجربة الرش أمام مندوبين من القسم الطبي المصري والبريطاني ، واستحسن ضباط سلاح الطيران البريطاني هذا الجهاز وفضلوه على شبيهه المركب في الطائرات البريطانية. مع حلول فصل الشتاء في الربع الأخير من عام 1943 تراجع الوباء بفضل تحول الأحوال المناخية ، وفي أخر عام 1943 ينشر الأهرام تحت عنوان "نجاح مطاردة بعوضة الجامبيا " تصريحات لوزير الصحة إختص بها الصحيفة تفيد بأنه بفضل الإجراءات الحكومية التي قام بها "جيش المكافحة" المكون من من 44 طبيبا و56 معاونا صحيا و13 مساعد معمل 500 ملاحظ و1800 عامل ، وقام بتقديم علاجا للمرضى يتكون من الأتروبين والكينين والبلازموكين .كما قام برش البرك بمساعدة الجيش الوطني والسلطات العسكرية البرياطانية والأمريكية. كل هذا جعل وزير الصحة يعلن نجاح عملية المكافحة ، وانخفاض نسبة الإصابة بالملاريا عن العام السابق فبعد ان كانت الإصابة على مسافة 500 كيلومتر على طول مجرى النيل تشمل مديرية أسوان بأكملها ونصف مديرية قنا عدا بعض جهات جرجا، أصبحت على مساحة 100 كم من حدود بلدة إدفو جنوبا وحتى بلدة الضبعية شمالا وخاصة غرب النيل . الفقر وراء المرض في الصعيد قبل أن ينهي الوزير حديثه للأهرام عمل على تأكيد ما اسماه "حقيقة مؤلمة" وهي ان الضرر الناشئ من سوء تغذية الطبقات القروية الفقيرة في تلك الجهات ، فالملاريا لا يمكن أن تكون من الأمراض سريعة الفتك إلا إذا اقترنت بضعف مقاومة شديد وخاصة إذا كان ذلك الضعف ناشئا من قلة الغذاء الصالح. وهنا يعلن الوزير أنه قام ببعض الإجراءات لتحسين التغذية لكن المشكلة بحاجة إلى إجرءات أقوى وأوفى ويبدو أن الفقر وتدني الأحوال المعيشية لأهل الصعيد كان واضحا وبينا لكل ذي عين ، فمن الواضح مما نشر في الأهرام في هذه الفترة أن وزير الصحة لم يجد صعوبة في إشراك الوزراء الأخرين في حكومته في المرحلة الثانية لمكافحة الوباء التي أطلق عليها الأهرام حملة توفيرالغذاء والكساء. ففي منتصف يناير من عام 1944 ينشر الأهرام خبرا مفاده أن وزير الدفاع ووزير الصحة يبحثان مساهمة الجيش المصري في مشروع لتحسين التغذية في مدريتي اسوان وقنا . وفي فبراير ينشر الأهرام متابعة لزيارة وزيرا الصحة والتموين في الأقصر لمتابعة مكافحة أثار الملاريا . كان الوزيران يتابعان ما تم افتتاحة من مطاعم شعبية بتمويل من شركة كوم أمبو للسكر التي كان يملكها عبود باشا، ويرافق الخبرمع صورة لوزير الصحة يتذوق الطعام الذي أعد للفقراء بينما يقف أمامه الشيح المحترم محمود محسب ممسكا بالصحن. وقد استمرت الحكومة في القيام بمحاولة تحسين الشروط الاجتماعية لتقوية مكافحة الوباء ، ففي فبراير يصدر رئيس الوزاراء أوامر عسكرية واجبة التنفيذ بتحسين الحالة في قنا وأسوان ، فبعد الديباجة يلزم اصحاب العمل في مدريتي قنا وأسوان بتغذية العمال والمستخدمين على أن يتحمل المستخدم أو العامل نصف التكلفة بحد اقصى 15 مليما في الوجبة الواحدة ، وفي مادته الثانية زيادة أجور العمال الزراعين إلى عشرة قروش يوميا ، وفي مادته الثالثة ينظم عملية توزيع المواد الغذائية والعقوبات المتعلقة بالتلاعب في عمليات التوزيع . لقد كانت الأوضاع الاقتصادية في الصعيد متدهورة إلى الحد الذي جعل وطرف ما نشره الأهرام فواللجنة المركزية لمكافحة الحفاء بوزارة الشئون تتبرع بثلاثة آلاف حذاء لفقراء قنا وأسوان. البرلمان والحياة السياسية في الخامس من أبريل عام 1944 نشر الأهرام تحت عنوان "رد على تعريض " رسالة من عضوا مجلس الشيوخ الدكتور زكي ميخائيل بشارة وميشيل رزق ، وعضو مجلس النواب نجيب ميخائيل بشارة يردون فيها على تعريض رئيس الوزراء ، النحاس باشا . كانت جريدة المصري قد نشرت قبلها بأيام تحت عنوان مديح وتعريض خطابا ألقاه النحاس في أسوان قال فيه " أما المديح فموجه للشيوخ والنواب الوفديين عن مدريتي قنا وأصوان لأنهم قابلوا نكبة الملاريا بشجاعة وأقاموا بين مواطنيهم وعرضوا أِشخاصهم للمرض – وأما التعريض فبغيرهم ممن هربوا من المرض واطلقوا سيانهم للريح وألسنتهم باستجواب الحكومة عن نكبة كانوا عنها من المسؤلين" لم يرض النواب والشيخ عن هذا التعريض وكتبوا في الأهرام أنهم أول من نبهوا عن الكارثة طوال عام 43 وليس مما يعيبهم أنخم نبهوا إلى الداء ورفعوا شكوى الشاكين إلى جهاتها ومصادرها. ووالواقع أن قارئ الأهرام على مدى الأعوام الثلاثة بين أوائل 1942 واخر 1944 يكتشف بسهولة أن الوباء فاجئ الجميع ، وأن موسم انتشار المرض في عام 1943 كان من الشدة بحيث هرب من الصعيد كل من استطاع الهرب للنجاة بحياته. كما أن حكومة الوفد لم يتحرك منها أي مسئول إلى الصعيد إلا بعد إنحسار موسم انتشار البعوض وبعد أن حققت حملة ردم البرك ورش المستنقعات بعض النجاح فكانت أول زيارة لمسئول من الوفد هي زيارة وزير الصحة التي أشرنا إليها سابقا وكانت في ديسمبر من عام 1943. ولا يبدو مما نشره الأهرام أن كانت هناك مناقشات حامية في البرلمان حول ما تقوم به الحكومة لمقاومة الوباء ، بل على العكس استجاب البرلمان لأكثر من مشروع قانون تقدمت به الحكومة لهذا الشأن دون عوائق تذكر . ويبدو أن حماس السياسين لقضية مكافحة الوباء وتحسين الأحوال المعيشية للفقراء تضخم بسبب حملات التبرعات التي قامت الجمعيات الأهلية والقائمين عليها ، إلا أن صفحات الأهرام تشهد بأن أهم مشاهد استخدام وباء الملاريا في الصراع السياسي تلك الزيارة التي قام بها الملك فاروق للمناطق المنكوبة في فبراير من عام 1944، والتي تلاها في الشهر التالي مباشرة زيارة لزعيم حزب الوفد النحاس باشا لنفس المناطق . الملك يتفقد الحالة في قنا وأسوان رغيف بمائة جنيه الحادي عشر من فبراير يوافق عيد ميلاد الملك فاروق، خرج الأهرام في ذلك اليوم بعنوان ، " مآثر الفاروق في عيد ميلاده - سفره إلى الصعيد – تبرعه بعشرة آلاف جنيه للمنكوبين" . كانت الزيارة وتوقيتها بمثابة حملة دعائية كبيرة للملك . فمن البداية يكتب مندوب الأهرام الخاص مع الركب الملكي أن أطباء الملك قد نصحوه بإرسال مندوب عوضا عن ذهابه بشخصه لكنه رفض . ويضيف أن القطار الذي كان مزوداً بلاسلكي يسمح للملك بالاتصال بالقصر في أي وقت ، كان يلقى حفاوة الاستقبال على الطريق كل مكان وعندما يصل القطار إلى إسنا يصلي الملك صلاة الجمعة في مسجد إسنا، ويقف في استقباله هناك مديرا قنا وأسوان " فما كاد يراهما جلالته حتى قال لهما : أريد أن أقف على الحالة بالتفصيل ، لأنني اعتزم أن أبحث بنفسي عن كل شئ ، إنني سأزور الأكواخ وسأتحدث إلى الفلاحين". وعندما اشتد التعب برفقاء الملك في الرحلة قال لهم جلالته : يمكنكم أن تستريحوا أنتم إذا شئتم أما أنا فقد جئت لأعمل. وهكذا يمضي مندوب الأهرام في الكتابة عن رحلة الملك ، ففي أرمنت الملك يبقى ساهرا على راحة شعبه ، فبينما ذهب الجميع إلى النوم ظل الملك يطوف بالدساكر والكفور يستوقف الغفراء ويسأل الفقراء عن الحالة الصحية ومما يشكون وكيف توزع عليهم الأطعمة ، كما أنه يحادث بسطاء الناس مثل الجندي البسيط الذي يفاجئ بالملك يحادثه ، أو حكايته مع المراة الفيرة التي دق بابها وعندما فتحت حياها وقال لها أنا فاروق وطلب منها أن تتمنى أية أمنية فطلبت ان تقبل يده. في كل مكان يزوره الملك الجميع يهتفون ، الإنجليز والمصريين، مبتهجين بعيد ميلاد جلالته الذي وافق يوم الجمعة ، ثم يزور مبرة محمد علي وياخذ قطعة من رغيف فيندفع الأستاذ محمد حامد محسب عضو النواب السابق ليعلن استعداده لشراء باقي الرغيف بمائة جنيه فيناوله جلالة الملك إياه. وفي منتصف مارس قام النحاس باشا بجولة مماثلة لجولة الملك في الصعيد، وقد اختلفت تغطية الأهرام لجولة النحاس عن جولة الملك ، ففي جولة رئيس الوزراء إلتزمت الجريدة بالاختصار، والاقتصار على الخبر في كل احداث الرحلة ، وخلت التغطية من القصص والنوادر والإشارات ، ومن هذه الزاوية تحديدا بات واضحا إين يقف الأهرام في المسافة بين الوفد والقصر فقد كان ميالا بشكل واضح للملك، وربما كان هناك من يدرك أن ايام الوفد في الوزارة قد انتهت ، ففي أكتوبر من العام نفسه خرج الوفد من الوزارة . المجتمع المدني الوزير يفجر الحملة الشعبية لإغاثة منكوبي وباء الملاريا ظل الأهرام حتى نهاية عام 1943 يعرض وباء الملاريا بوصفه مشكلة صحية طالت جنوب البلاد ومن ثم كانت متابعة جهود الدولة ممثلة في وزارة الصحة هي أساس القضية، وظل الأمر على هذ النحو حتى كانت الزيارة وزير الصحة، وفي تصريحاته التي أعقبت الزيارة عرض ما ستقوم بها وزارته لحث أصحاب الأطيان والأغنياء المحليون في أسوان وقنا للتعاون معهم على تحسين تغذية فلاحيهم وعمالهم. ومن الواضح أن دعوة الوزير كان المقصود منها فقط استثارة تعاطف أعيان المناطق الموبوءة للمساهمة في تحسين أوضاع الفقراء ، إلا ان الدعوة فجرت بشكل غير مباشر أكبر حملة شعبية شهدتها البلاد لتحسين أحوال منكوبي الوباء . فقبل هذا التصريح لم ينشر الأهرام أي خبر عن تنظيم مساعدات للمنكوبين رغم أن أن الوباء كان في موسمه الثاني، لكن بعد هذا التصريح كان الأهرام كان ينشر بشكل شبه يومي قوائم المتبرعين وأخبار الحملة على مدى العامين التاليين. جاءت أول استحابة من المجتمع من الأميرة شيوه كار ، الزوجة الأولى للملك فؤاد ، ففي 12 يناير 1944 ينشر الأهرام أول خبر للجهود التطوعية لمكافحة أثار الوباء ، وتحت عنوان "لإعانة فقراء قنا وأسوان" كتب يقول "علمت صاحبة السمو الأميرة شيوه كار بما كان من أثر الملاريا في مديريتي قنا وأسوان فأمرت سموها دائرتها بتوزيع الدمور والكستور والبطاطين على المحتاجين وأمرت بفتح مطاعم شعبية لصرف الغذاء مجانا". وفي 16 يناير أي بعد أربعة أيام فقط بنشر الأهرام خبر عن مساهمة سيدات جمعية الهلال الأحمر التي كانت ترأسها صاحبة العصمة هدى هانم شعراوي ، كما ينشر نداء من حرم عبود باشا إلى سيدات مصر تذكرهم فيه بأنها مقيمة في ارمنت ( في وسط المناطق الومبوءة) ويبذل كل ما في طوقها لمكافحة حمى الملاريا وبذلك تساعد الحكومة في مجهودها للقضاء على الحمى الفتاكة، ونداؤها لسيدات مصر أن يتبرعن بالثياب والبطاطين والألحفة وما إلى ذلك مما يكون ذا فائدة للمساكين. ويبدو أن الأميرة شيوه كار لم ترض عن تناول الإعلام لمبادرتها الأولى ، فقد جاءت على شكل خبر صغير، ومن ثم آثرت إطلاق نداء جديد أكثر وضوحا تشير فيه إلى جسامة الخطب الذي تتصدى له، وتنوه فيه عن دور"مبرة محمد علي الكبير " التي كانت في مقدمة الهيئات التي تصدت للمعاونة ، وفي اجتماع الجمعية التي أنشئت قبل 23 عام، تلقي الأميرة كلمة تقول فيها: "ومنذ عشرين يوما علمت من صديقة لنا وصلت حديثا من الصعيد نبأ تفشي الملاريا هناك ، فوجهنا جهدنا نحو المساعدة ، ونحن نطعم حوالي 15000 من المنكوبين يوميا" خلال الأيام القليلة التالية اصبح واضحا أن هناك ثلاث قوى اهلية في الصعيد تتعامل مع القضية التي أثارها وزير الصحة. كانت أولى هذه القوى هي مبرة محمد علي برئاسة الأميرة شيوه كار وثانيها جمعية الهلال الأحمر برئاسة هدى شعراوي ، أما ثالثتها فهي جهود ليدي عبود باشا . وطريقة تعامل الأهرام مع هذه القوى الأهلية الثلاثة تبين أنها كانت متنافسة، ويبدو أن القصر والحكومة كانا يحاولان التعامل معهم بحياد وعلى مسافة واحدة ، فالحكومة على سبيل المثال جعلت لكل جمعية مساحة جغرافية للنشاط ، فمبرة محمد على استقرت في الأقصر وجمعية الهلال الأحمر في إسنا بينما تُركت أرمنت وضواحيها لحرم عبود باشا حيث منطقة نفذ الباشا ومصنعه المشهور لإنتاج السكر. وأثناء زيارة الملك للصعيد يوزع اهتمامه على الأطراف الثلاثة فهو يستقل سيارة جمعية الهلال الأحمر ويقول لسيداتها " أني سعيد بالسيدة المصرية التي تضحي براحتها في سبيل الفقراء " وبعد ذلك يأمر بدعوة المتطوعات ليتناول الغذاء مع سيدات الهلال ومبرة محمد علي ، ثم يذهب إلى الأقصر في لنش عبود باشا. ويبدو أن الأهرام كان يدرك حساسية المنافسة بين الأطراف الثلاثة ، فعلى مدى عام كامل لم ينشر الأهرام خبرا عن مبرة محمد علي إلا وكان هناك خبرا مماثلا لجمعية الهلال الأحمر ، وحين فتح الأهرام باب التبرع على صفحاته لقراءه كانت التبرعات تأتي محددة للذهاب لطرف بعينه، فكان الأهرام ينشر قوائم التبرعات التي تخص كلا المؤسستين بنفس المستوى. ليس هذا فقط بل أن قوائم التبرعات التي كان ينشرها الأهرام تباعا تدل على أن هذا التنافس القائم داخل الطبقة الأرستقراطية كان محسوسا في الطبقات الوسطى بحيث تجد الكثير من المتبرعين وهم من فئات مختلفة من المصريين والأجانب، يوجهون تبرعاتهم لمبرة محمد علي أو لجمعية الهلال الأحمر دون سبب واضح للتخصيص ألهم إلا الميل الشخصي للقائمين على المؤسسة التي يرغب في التبرع من خلالها. والواقع أن نشاط الجمعيات الأهلية كان أكثر وضوحا في المجتمع من الأداء المهني البارد للدولة في مقاومة الوباء، والأداء السياسي الباهت للطبقات السياسية والأحزاب والبرلمان ، حتى أصبحت الساحة الأهلية هي المعبر الأساسي عن الاستقطاب الاجتماعي والسياسي للمجتمع ، وهذا ما يمكن متابعته بشكل واضح من صفات الأهرام طوال عام 1944. تبرعات من الجميع كان من نتائج النشاط الاجتماعي والتنافس فيه أن تنافس الجميع في إبراز مكانتهم الاجتماعية من خلال تبرعاتهم . فقد كان في طليعة المتبرعين العائلة المالكة ، فبعد تبرع الملك بمبلغ عشرة ألاف جنيه جاءت التبرعات من جلالة الملكة ، والملكة الأم والأميرات الشقيقات ، والأمراء والأميرات والنبلاء والنبيلات. ويطالعنا الأهرام بقوائم من أسماء المتبرعين من الباشوات والبكوات والهوانم وصاحبات العصمة ، فكان في طليعة المتبرعين أصحاب السعادة علي باشا الشمسي ومحمود شكري باشا و محمد بدراوي باشا وصاحبة العصمة ناهد سري وعبود باشا ، كما تبرع النائب المحترم رينيه قطاوي (اليهودي) بمكافأته البرلمانية للفقراء. وتمتد قائمة المتبرعين والمتبرعات لتضم صاحبة العصمة أم المصريين وصاحبة العصمة قوت القلوب الدمرداشية وعقيلات كل من محمد طاهر باشا وحسين سري باشا وحافظ عفيفي باشا وسامح موسى بك ومارييت بطرس غالي ومحمد محمود باشا وابراهيم الملواني بك وحرم جورج خياط والمسيو جاتينيو وادوار صاروفيم وتوحيد هلال والمستر يونكر ومصطفى زياد بك والأنسة جستين ديواي وتشترك الأقالم في التبرعات تبرعات ، من ديروط ، عزيز أباظة بك يجمع التبرعات خلال مؤتمر للعمد والأعيان ديروط والقليوبية وامبابة ومن الاسكندرية والمنصورة ودمياط وشربين وكفر الزيات و كفر الدوار و القنطرة وطهطا وجرجا والزقازيق. ومن الفئات التي شاركت بقوة طلبة الجامعة الذين أقنعوا لأميرة شيوه كار بفكرة الطواف بالشوارع لجمع التبرعات وقد تطوعت سيدات الطبقة الراقية بالطواف لهذ الغرض النبيل فكانوا يجوبون الشوارع يحملن الصاديق ليحثوا الناس على التبرع . وكذلك جاءت التبرعات من معلمي التعليم الإلزامي بأسيوط، ومن الجالية اليونانية وتجار الإسكندرية، وأيضا الهيئات خيرية منها الجمعية الإسلامية الخيرية وحمعية القديس منصور الخيرية ورابطة هواة الموسيقى. كما قامت جمعية أنصار التمثيل في دار الأوبرا الملكية لتقديم حفلة خاصة لمسرحية "في بيوت الناس" من تمثيل سليمان نجيب وعقيلة راتب وفردوس محمد وأنور وجدي خصصت إيراداها لمنكوبي الملاريا. وبالرغم كل ما أحاط النشاط الأهلى من أمراض التنافس والتفاخر الاجتماعي، إلا أن هذا النشاط هو الذي فتح نافذة للمجتمع للإطلال على أحوال الصعيد الاقتصادية والاجتماعيىة ، بل إننا نجد في هذه الفترة بعض التجارب المثيرة للعمل الأهلي من بينها التجربة المتقدمة في العمل الجتماعي التي قامت بها مبرة محمد علي فقد اعتمدت الرعاية الاجتماعية المتكاملة مدخلا للإغاثة كما اعتمدت على الشخصيات المفتاح في المجتمع " ففي كل قرية تعاونا مع الفلاح حتى يساعد نفسه ، وكما عينت المبرة رئيسا لما سميناه اللجنة التنفيذية واحترناه من أصحاب النفوذ فيها تساعده لجنة من رجال أشداء لهم سمعة طيبة " وفي المحصلة يعطينا الهرام أمثر من دليل عن كان وباء الملاريا في أعوام الحرب ، لكنها قسوة ألقت الضوء على المدى الذي وصل إليه المجتمع المصري من النضج في العمل الاجتماعي الذي كان يهخير العام ، وفي المقابل كشف حاالة الترهل التي وصل إليها المجتمع السياسي المصري الذي بدأ عده التنازلي نحو الاضمحلال
تُعرض الأصوات المحلية المثبتة على جهازك فقط. إذا لم يظهر صوت عربي، أضفه من إعدادات الجهاز.