أحوال مصر الصحية أثناء الحرب العالمية الثانية.doc
Download originalThe page view preserves document formatting. Word and Office documents are rendered as PDF; fonts and pagination may vary.
Listen / accessible text
Listening text and controls
Reading text uses the stored archive index when available. Document text preserves reading order where available; original layouts, formulas and embedded images may differ. Speech reads the text as written and does not translate it.
د.حنا حريس أبريل 2010 1) أحوال مصر الصحية أثناء الحرب العالمية الثانية لم يشعر المصريون بتأثير الحرب العالمية الثانية مثلما شعروا بها منذ بداية عام 1942 وحتى نهايتها في عام 1945. كانت السنوات الثلاثة تحت حكم حزب الوفد الذي تم فرضه على الملك ، ليس بالأرادة الشعبية كما حدث في مرات سابقة وإنما بدبابات الجيش الإنجليزي في حادثة 4 فبراير الشهيرة التي أرغمت فيها القوات البريطانية الملك فاروق على إسناد الحكم لحزب الوفد وزعيمه مصطفى النحاس باشا. فقد كان النحاس هو من وقع معهم معاهدة 1936 . لكن الوفد عام 1942 لم يكن هو الوفد الذي وقع المعاهدة فقد كان يعاني من ضعف اللحظة التاريخية كما كان يعاني من الانشقاق الداخلي والتي كان أحد مظاهره الصدام ثم الانفصال بين قطبي الحزب في ذلك الوقت مصطفى النحاس ومكرم عبيد. جاء الوفد إلى الحكم ضعيفا ومأزوما ليواجه الأثار الإقتصادية والاجتماعية الناجمة عن الحرب ، والتي بدأت تظهر بشكل واضح في مجالات عديدة خاصة في مجال الصحة الذي كان يعاني من بطء شديد في التطور من ناحية تعميم الرعاية الصحية الوقائية . ففي هذه الفترة كانت الوحدات الصحية قليلة جداً في الأقاليم القريبة من العاصمة وكانت نادرة في الأقاليم البعيدة. كما كانت الكوادر الطبية قليلة والإمكانيات المقدمة لها ضعيفة. وقد أضافت الحرب أعباء جديدة على الأحوال الصحية كانت أهمها انتشار الأوبئة المصاحبة للحروب مثل التيفوس والملاريا ، وكلاهما وصل إلى مصر في نفس التوقيت وإن كانت الملاريا شديدة الوطأة على الصعيد مما استدعى انتباه سائر تكوينات المجتمع المصري ، الحكومة والملك والمجتمع المدني الذي ضم جهود الطبقة الأرستقراطية والطبقة الوسطى للتصدي لخطر خشي الجميع اتساعه ليشمل البلاد كلها. وقد كان لصحيفة الأهرام إهتمام كبير بالأحوال الصحية في البلاد، ربما لأهميته بالنسبة لقارئ هذه الأيام حيث كانت الصحف المطبوعة تشكل المصدر الرئيسي للمعلومات والقرارات. ونستطيع أن نرصد متابعة الأهرام لأهم القضايا الصحية التي كانت تهم المواطن من أحوال النظافة العامة وأحوال المستشفيات والمكاتب الصحية التي تنوعت بين أمور النظافة والصحة العامة، كما يمكننا الحكم على أداء الحكومة ووزارة الصحة في مختلف الملفات الصحية ، وأيضا يمكننا متابعة الدور الذي قامت به النخبة الارستقراطية والطبقة المتوسطة من أعمال الخير المرتبطة بالمجال الصحي مثل المبرات والمستشفيات وحملات التبرع لمقاومة وباء أو مرض عضال، ويمكن أيضا معرفة أكثر الأمراض انتشارا والجديد في طرق العلاج ، والاختراعات الجديدة في مجال الأدوية والجراحات وغيرها ، وأخيرا التعرف على أحوال الأطباء والتعليم الطبي وتطوراته. وقد عكس الأهرام كل هذه الأحداث وتداعيتها بروح الشاهد المخبر، فمعظم المادة الصحفية التي نشرت تراوحت بين أخبار الأداء الحكومي والبرلماني وأخبار إسهامات المجتمع المدني بينما ندرت التعليقات الصحفية والمقالات التي تنقد الأحوال الصحية أو أداء المسؤلين السياسين أو المهنين. الأحوال الصحية العامة يمكننا القول بأن صحيفة الأهرام عكست الثقافة الصحية للمجتمع المصري في ذلك الوقت ، كما أظهرت طبيعة السياسة الصحية للحكومة المصرية في تلك الأيام ، فقد جاءت المتابعات الصحفية كاشفة للأحوال الصحية العامة وتراوحت بين المعلومات الطبية عن الأمراض ومشاكلها، وأوضاع المؤسسات الصحية القديمة والمستحدثة. ومما نشر يبدو أن السياسة الصحية للحكومة في هذه الفترة تركزت في مقاومة الأوبئة المتكررة والمتنوعة مثل الملاريا والتيفوس والكوليرا ومقاومة الأمراض المتوطنة في مصر مثل التيفود والدفتريا والجدري والسعال الديكي وغيرها . ويأتي بعد ذلك في دائرة الاهتمام أمراض العيون خاصة تلك التي تسبب العمى مثل الرمد الصديدي وأيضا الرمد الحبيبي الذي كان يعرف بالتراكوما المصرية ، وأخيرا تأتي مجموعة الأمراض التناسلية التي كانت منتشرة في المدن الكبيرة مثل القاهرة. وكانت السياسة الصحية العامة وجهود التطوع المدنية كلها تدور حول هذه الأهداف ، ومن ثم كانت أخبار تحسين الصحة القروية متكررة على مدى السنين ، فخبر إنشاء وحدة صحية في مديرية القليوبية في قرية طحانوب والتي سيشمل نفعها قرى الكوم الأحمر وكفر طحانوب ونوب طحا ، وخبر إنشاء وحدات صحية في مرسى مطروح والضبعة والسلوم والحمام بعد إنسحاب قوات المحور من الصحراء الغربية ، وتبرع الوجيهان احمد عبد اللطيف وغطاس بباوي بالأرض التي تقام عليها الوحدة الصحية ببلدة صندفا الفار ببني مزار ، كلها أخبار تحتل موقع الأهمية بالنسبة لمحرر الأهرام . الأمراض المتوطنة وصحة القرى ولمدة طويلة قبل الحرب كان الأهرام ينشر إحصاءات الأمراض المعدية في مصر التي كانت تصدرها وزارة الصحة كل اسبوع ، غير أن هذه النشرة الإحصائية تم إيقافها عندما بدأت الحرب لأسباب غير معلومة، على الأقل لم تذكرها لنا الجريدة، غير أن الإحصاءات عادت مرة أخرى في العام الأخير من الحرب كما يشير إلى ذلك خبر نشر في 13 يوليو 1944. وتعود أهمية هذه الإحصاءات لكونها تغطى عدد كبير من الأمراض المعدية سهلة الانتشار كما أنها تعطي فرصة لتتبع مدى انتشار المرض في فترات مختلفة ما يتيح للمجتمع إدراك حجمها في المجتمع وتوقى مخاطرها في حالات الزيادة المفاجئة للعدوى ، وقد ضمت قائمة الأمراض المعدية التي أهتمت بها الدولة الجدري والدفتريا والتيفود والحصبة والتدرن الرئوي والجذام وغيرها من الأمراض التي مايزال بعضها متوطنا في مصر حتى هذه اللحظة. "أنظر الشكلا المصاحب" [pic] غير أن أبرز ما كان ينشره الأهرام لسنوات طويلة في مجال الأمراض المتوطنة هو ما يتعلق بأمراض العيون التي كانت منتشرة في مصر بكثافة، وأهم الأمراض التي استحوذت اهتمام الصحيفة مرض الرمد الصديدي، وهو إلتهاب بكتيري يؤدي في كثير من الحالات إلى العمى الكامل ، مما جعل الأهرام يحتفي يوم 20 نوفمبر عام 1944 بنجاح تجارب استخدام البنسلين في علاج الرمد الصديدي ، ويسرد الخبر شرح الدكتور توفيق شوشة بك لأسباب المرض ونجاح البنسلين في علاج حالات عديدة للأطفال والكبار وأنقذهم من مصير العمي ويقول " لقد خطونا خطوة جريئة في مكافحة مرض من أشد الأمراض خطرا على المصريين" أما الرمد الحبيبي فإن قصته كانت أكثر تعقيدا، فقد كان معروفا بالتراكوما المصرية ، وهي كلمة يونانية تعني "خشونة"، فقد كان أول تسجيل للمرض في القرن الأول قبل الميلاد، وأخذت التسمية من إحساس المريض بوجود ما يشبه الرمل تحت جفنيه واننتشار حبيبات صغيرة جدا على السطح الداخلي للجفن، وفي حالته المزمنة يؤثر المرض على الجفن وقد يسبب له إرتخاءا طفيفا وإنقلاب للداخل ما يجعل الرموش تحتك بالقرنية ، وهذ التأثير على الجفن جعل البعض يعتقد في أنه من أسباب العيون الناعسة الشهيرة التي تميزت بها المرأة المصرية وكتبت فيها الأشعار وتغنى بها المغنين. والطريف أن المرض كان من الأمراض المزعجة للحملة الفرنسية ، بل يمكن اعتباره جزء من مقاومة الأرض المصرية للحملة فقد انتشر بين الجنود كونه شديد العدوى سريع الإنتشار، كما إنه إنتقل إلى أوروبا عن طريق أفراد الحملة. وفي أوائل الأربعينات كان الرمد الحبيبي لا يزال منتشرا في كل ربوع مصر، وبالرغم أطباء ذلك الوقت كانوا على علم بأنه التهاب ميكروبي ، فإن المشكلة العويصة كانت في اكتشاف الميكروب المسبب له ونوعه، ومن ثم ينشر الأهرام في يناير من عام 1942 إقتراح من المجلس الاستشاري لوزارة الصحة أن تقوم الحكومة بمنح مكافأة لأي فرد في العالم يكشف ميكروب الرمد الحبيبي. الأمراض التناسلية والأسرة ويكشف لنا الأهرام عبر سلسلة من الأخبار على مدى الأعوام الثلاثة تتناول مكافحة الأمراض التناسلية والبحث عن سبل الوقاية منها . ومن هذه المحاولات جاءت فكرة إنشاء مكاتب لفحص الراغبين في الزواج، حيث قررمعالي وزير الصحة إنشاء هذا المكتب للتحقق من سلامتهم وعدم إصابتهم من الأمراض السرية والوراثية ، ويبدو من كتابات الأهرام أنه كان هناك إقبال على هذه المكاتب فقد بلغ عدد المتقدمين عشية فتح المكتب 91 شخص. كما يبدو أن القضية كانت تهم المجتمع المصري في ذلك الوقت مما دفع بأحد المواطنين الأغنياء "مسيو كوتسيكا" إلى التبرع بمبلغ ألف جنيه لسد نفقات إنشاء مركز للوقاية من الأمراض التناسلية في منطقة حديقة الأزبكية. وأيضا فقد شهدت هذه الفترة سن قانون الذي يلزم العاملين في المحال العامة بالكشف الطبي والحصول على الشهادات الصحية الدالة على خلوهم من الأمراض المعدية والسرية. ونظن أن إدراج الأمراض الوراثية في هذا السياق يكشف عن أن الوعي الصحي للنخبة الحاكمة والطبقة الوسطى والمثقفة في ذلك الوقت كان متقدماً . السكان من القضايا الصحية اللي ظهرت على صفحات الأهرام في هذه الفترة قضية الزيادة السكانية وارتفاع معدل المواليد ، وقد نشر الأهرام في هذه القضية عدة أراء إنقسم فيها الباحثين إلى فريقين، أحدهما يرى أن مشكلة رفع مستوى المعيشة يرتبط بمعدل تزايد السكان ، وفي هذا ينشر الأهرام في يونيو عام 1943 للأستاذ "كليلاند" تلخيصا لبحثه "مشكلة السكان في مصر "، والذي خلاصته أن معدل التكاثر السكاني للفلاح يتجاوز تطور مساحة الأرض الزراعية ومن ثم فالحل الأمثل من وجهة نظره هو تحديد النسل . وهو يتفق في ذلك مع تقرير مراسل الأيكونومست في مصر عن تنبؤات الاقتصادية لمستقبل العالم بعد خمسة عشر عاما ، الذي نشر الأهرام خبرا طويلا عنه في يوليو عام 1944. وفي مقابل هذا الرأي ، رأى فريق أخر أن الزيادة السكانية تساعد على تحسين ظروف المعيشة، وعن هذا الفريق ينشر الأهرام ملخص بحث قدمه الدكتور إيلي ناصيف المدرس بكلية الحقوق الملكية عنوانه " هل تشكو مصر من الإزدحام بالسكان " وهو بحث في المعيشة في الريف المصري من نواحيه الثلاثة التغذية والصحة والمسكن ، ينتهي في الباحث إلى أن هناك إمكانية لتحسين الظروف المعيشية للفلاح وتطوير الثروة الحيوانية وزيادة مساحة الأرض الزراعية عن طريق تنفيذ برنامج إقترحه حسين سري باشا للتنفيذ في عام 1955 ، ولذلك ينتقد الدكتور إيلي ما ذهب إليه المستر كليلاند من وجوب تحديد النسل. أوبئة الحرب تجتاح مصر كانت الصفحة الأولى من الأهرام في يوم 9 فبراير من عام 1942 بكاملها مغطاة بأخبار الحرب العالمية الثانية في كل مناطق العالم، باستثناء صورة للنحاس باشا وهو يتلقى التهاني على توليه الوزارة من وفد سمنود. ويتصدر الصفحة أخبار تحرك القوات البريطانية في الصحراء الغربية في ليبيا، وخبر انتشار الأوبئة في ألمانيا والبلدان (الأوروبية) المحتلة. فقد انتشر التيفود في فرنسا كما انتشر التيفوس في ألمانيا. والأمراض الوبائية التي تنتشر في زمن الحرب هي تلك لأمراض التي تنتشر بسبب انهيار مرافق الصحة الأساسية وأهمها التخلص من القمامة وتوفر المياه النقية للاستحمام وردم البرك والمستنقعات وكلها خدمات تتوقف في زمن الحروب خاصة الحروب الكبيرة مثل الحرب العالمية الثانية . ومنذ ذلك التاريخ وحتى نهاية الحرب تعرضت مصر لعدة أوبئة، كان منها البسيط والذي لم يخرج عن المعدلات السائدة في مصر في ذلك الوقت مثل الجدري والدفتريا والتيفود لكن بعضها الآخر كان كبيرا بشكل استدعى انتباه المجتمع والدولة كما بدا واضحا في صفحات الأهرام في تلك الفترة. وكان أهم أوبئة الخطيرة التي دقت باب مصر في هذه الفترة التيفوس والملاريا الخبيثة وهو ما جعل الأهرام يتابع الوضع الصحي الدولي والمساعدات الدولية التي قدمت لمصر لمحاصرة الوبائين. فلم يغفل الأهرام البعد الدولي للأوبئة في زمن الحروب ، فمن الأخبار الهامة التي غطاها في هذه الأيام ما تردد في الأوساط الدولية قبيل إنتهاء الحرب من اقتراحات بإنشاء منظمة الصحة الدولية التي كان يطلق عليها في ذلك الوقت "عصبة أمم طبية دولية" للعناية بالشئون الصحية الدولية خاصة في مجال الأوبئة والإجراءات الصحية الدولية ، فنقرأ في مارس 1944 من مراسل الأهرام في نيويورك " عصبة امم طبية لوقاية العالم من الأوبئة ، " وضع المستر ريموند مورسديك ، مدير مؤسسة روكفلر الطبية تقريره السنوي عن نشاط المؤسسة وقد نوه بضرورة إنشاء عصبة أمم طبية في الحال لوقاية العالم من الأوبئة والأمراض التي تنقل الطائرات عدواها وقال أن من الضروري إيجاد نوع من التعاون الدولي المنظم للقضاء على الملاريا والحمى الصفراء وعيرهما من الأوبئة التي تهدد الجنس البشري . ولا يجوز ان تتصدى لمكافحتها أمم وتتخلف أخرى ، وإنما ينبغي أن يتقدم الجميع بوصفهم جزء من الأسرة البشرية". ويبدو من متابعة الأهرام لهذا الإقتراح أنه كان في سبيله إلى التنفيذ بنهاية عام 44 ففي أكتوبر من نفس العام أفاد مراسل الأهرام بما تم تداوله في مؤتمر إكاديمية الطب في نيويورك من أن هذه الهيئة الصحية منتظر تأليفها بعد الحرب والتي ينبغي عليها أن تعمل على مساعدة الموظفين المختصين والأفراد في مختلف البلاد للقضاء على الأوبئة. التيفوس في مصر شن غارة على حشرة القمل حمى التيفوس مرض يتسبب فيه ميكروب ينتقل عبر حشرة القمل التي بدورها تتكاثر وتنمو في البيئات التي يندر فيها الظروف الملائمة للنظافة المستمرة ، ومن ثم فقد كان ينتشر في البيئات الفقيرة . ومن صفحات الأهرام لهذه الفترة نعلم أن الوعي بخطورة انتقال التيفوس إلى مصر كان قائما، و أن إمكانية إنتقاله من ألمانيا وأوروبا الشرقية إلى مصر عبر تركيا واردة ، ولذلك نطالع في مارس من عام 1942 رسالة من مراسل الأهرام في أنقرة أن " وباء التيفوس لا خطر منه على تركيا ومصر ، هذا ما أكدته وزارة الصحة التركية ، أن لا خطر من وباء التيفوس المنتشر في البلاد الأوروبية على تركيا " ويضيف المراسل أنه لا ريب أن مصر ترحب بهذا النبأ لأنها ستكون بمنجاة من المرض طالما كانت تركيا واقفة في الطريق تمنع وصوله إليها. غير أن الوباء انتشر في تركيا ووصل إلى مصر ، وأضطرت الحكومة إلى اتخاذ الإجراءات الصحية فكان من أطرف ما نشرته الأهرام في أبريل من عام 1943 تحت عنوان حربي "شن غارة على القمل"، أن الحكومة قامت بتسهيل عدة إجراءات وتدابير للقضاء على حشرة القمل الناقلة للميكروب المسبب للتيفوس ومنها ، زيادة مقادير البترول (الكيروسين) ، فقد كتب معالي وزير الصحة إلى معالي وزير التموين يقول: إن التدابير التي تتخذها وزارة الصحة لمكافحة القمل بتنظيف الأجسام والثياب تتطلب زيادة ما يصرف من البترول للجمهور. ومن الإجراءات الطريفة التي قامت بها وزارة الصحة، أنها استأجرت ثلاثة حمامات هي حمام الحسينية وحمام الدراسة وحمام الجمالية ، وذلك كي يستحم الجمهور بالمجان بما في ذلك الحصول على الصابون وغسل الملابس وذلك لمقاومة حشرة القمل. كما أوضحت الوزارة أن الغارة على القمل تكتمل بحلق شعور الذكور، وتسريح الشعر للإناث بالبترول يوميا لنزول كل أثر للقمل وصئبانه ، والاستحمام بالماء الساخن والصابون مرة واحدة على الأقل أسبوعيا ، وغلى االملابس لتطهيرها من القمل وتعريض الفراش للشمس أطول مدة ممكنة ، وتنظيف الأماكن والسكن والعناية بنظافة الخدم. ومن الواضح مما نشره الأهرام في ذلك الوقت أن الأحوال الصحية بصفة عامة كانت ضاغطة إلا أنها لم تكن متردية ، غيرأن وباء واحدا كان قد انتشر بالصعيد وكانت له أثار مدمرة على أهله ، وأصاب أبناء الوطن بالهلع من إمكانية انتشاره في عموم البلاد . كان لهذا الوباء النصيب الأكبر من المتابعة في صحيفة الأهرام، إنه وباء الملاريا الخبيثة. 2) الملاريا وباء يهاجم الصعيد ويهدد باقي الوطن إن أردت تلخيصا للحالة الصحية في مصر كما رصدها الأهرام في السنوات الثلاث الأخيرة للحرب العالمية الثانية ، فهي وباء الملاريا الخبيثة. فمن سياق أحداث العام 1942 نعلم أن الملاريا بدأت في الظهور في صعيد مصر في العام السابق 1941 وأنها انتشرت من شمال السودان إلى النوبة ثم اسوان وقنا والأقصر على مدى السنوات التالية، ثم أخيرا حطت في مركز البداري التابع لمحافظة أسيوط في العام الأخير. والملاريا مرض طفيلي يحدثه طفيل يسمى "بلازموديم" ينتقل عبر حشرة البعوض ، ويوجد من هذا الطفيل خمسة أنواع أربعة منها تصيب الإنسان بالملاريا. ومن انواع الملاريا نوع خفيف متوطن في مصر، لكن النوع الذي انتشر في أعوام الحرب وتسبب في الوباء هو من نوع الملاريا الخبيثة التي تنقلها بعوضة الجامبيا. ومن الأهرام نعلم أن نقاشا قد دار حول مصدر البعوض ، فالرأي الرسمي أنها تسربت لمصر من السودان فوباء الملاريا حدث في بلاد النوبة السودانية عام 1941 ، ثم ظهرت في النوبة المصرية عام 1942 . غير أن هناك من طرح فرضية ان تكون البعوضة انتقلت لمصر من البرازيل التي انتشر الوباء في السنوات السابقة وانتقلت منه البعوضة عبر الطائرات والسفن بينما كان البعض يرى مصدر البعوضة محلي وأنها تولد في مصر منذ سنين دون أن يعرف ثم زاد تكاثرها نتيجة لارتفاع مياه السد خلف خزان أسوان . وعلى أي الأحوال فمن الواضح أن الوباء كان عنيفا وأن معاناة الصعيد ة منه كانت كبيرة ، فأخباره كانت تغطى الأهرام على مدى الأعوام الثلاثة من 1942 حتى 1944 ، فلا يكاد يمضي يوم دون نشر خبر هنا أو هناك عن الوباء وإجراءات الحكومة لمقاومته والمعارك السياسية التي قامت بسببه واهتمام الملك والعائلة المالكة وتضافر الجمعيات الأهلية مع الجهود الحكومية في مقاومة الوباء. أداء الحكومة كان الدكتور عبد الواحد الوكيل بك، وزير الصحة في الحكومة الوفدية طوال السنوات الثلاث إلا قليلا، وكان بحكم موقعه المسئول عن رسم سياسة مقاومة الوباء ، و أهم قراراته التي رصدها الأهرام هو قرار بتأليف لجنة لوضع مشروع قانون ردم البرك. فقد كان الهدف الذي تابعت الأهرام تحقيقه هو القضاء على مناطق توالد البعوضة الناقلة للمرض ومن ثم لزم تعاون كافة الجهات الرسمية تحت قيادة وزارة الصحة . وفي إطار هذه الحملة اعتمد البرلمان ربع مليون جنية لمكافحة الملاريا والقضاء على بيئات توالد البعوض. وتقرر ردم البرك بعد حصرها من حيث العدد والمساحات والعمق لتحديد اعمال الردم. كما صدق البرلمان في يناير 1943 على خطة الحكومة وأثنى عليها كما طالب بالمعونة من كبار الملاك تجفيف في أملاكهم من برك ومستنقعات. ويبدو أن خوف الوزارة من انتشار الوباء في عموم البلاد كان كبيرا فقد أصدر الوزير قرارا يقضي بتجفيف مزارع الأرز في الدلتا. ويبدو أن هذا الأمر أثار حفيظة زارعي الأرز مما دفع الوزارة إلى إصدار بيان بررت فيه القرار ، ومما جاء في البيان أن زراعة الأرز اشد خطرا في مناطق جنوب الدلتا ، وان التجفيف الهدف منه قتل يرقات البعوض ومنع انتشار الملاريا في الدلتا محافظة على حياة الأهلين ، كما أظهرالبيان بعض التهديد فالوزارة يهمها أن تصل إلى غرضها وهو التجفيف بطريق التفاهم، وإلا ستضر إلى فرض التجفيف بأمر عسكري . ويتابع الوزير إصدار القرارات الإدارية التي يذكرها الأهرام ويسعى إلى إقرار تشريع يقضي بالأشراف الإجباري عل وسائل النقل من طائرات إلى سيارات وسكك حديدية وسفن ورشها بالمبيدات لمنع أية عدوى محتملة قادمة من الخارج. وعمليا تعاون الجيش المصري مع وزارة الصحة، فقد استخدمت الطائرات في إبادة البعوض ، وكان القسم الطبي في الجيش المصري قد طلب من ورش سلاح الطيران صنع جهاز لرش مسحوق "أخضر باريس" على المستنقعات التي يتفشى فيها ميكروب الملاريا ، وقد صمم الجهاز البكباشي الدكتور عازر دميان وقائد الأسراب ابراهيم حزين ، ولا ينسى محرر الأهرام الإشادة بالجيش المصري ، فقد تمت تجربة الرش أمام مندوبين من القسم الطبي المصري والبريطاني ، واستحسن ضباط سلاح الطيران البريطاني هذا الجهاز وفضلوه على شبيهه المركب في الطائرات البريطانية. مع حلول فصل الشتاء في الربع الأخير من عام 1943 تراجع الوباء بفضل تحول الأحوال المناخية ، وفي أخر عام 1943 ينشر الأهرام تحت عنوان "نجاح مطاردة بعوضة الجامبيا " تصريحات لوزير الصحة إختص بها الصحيفة تفيد بأنه بفضل الإجراءات الحكومية التي قام بها "جيش المكافحة" المكون من من 44 طبيبا و56 معاونا صحيا و13 مساعد معمل 500 ملاحظ و1800 عامل ، وقام بتقديم علاجا للمرضى يتكون من الأتروبين والكينين والبلازموكين .كما قام برش البرك بمساعدة الجيش الوطني والسلطات العسكرية البرياطانية والأمريكية. كل هذا جعل وزير الصحة يعلن نجاح عملية المكافحة، وانخفاض نسبة الإصابة بالملاريا عن العام السابق فبعد ان كانت الإصابة على مسافة 500 كيلومتر على طول مجرى النيل تشمل مديرية أسوان بأكملها ونصف مديرية قنا عدا بعض جهات جرجا، أصبحت على مساحة 100 كم من حدود بلدة إدفو جنوبا وحتى بلدة الضبعية شمالا . الفقر وراء المرض في الصعيد قبل أن ينهي الوزير حديثه للأهرام عمل على تأكيد ما اسماه "حقيقة مؤلمة" وهي ان الضرر الناشئ من سوء تغذية الطبقات القروية الفقيرة في تلك الجهات ، فالملاريا لا يمكن أن تكون من الأمراض سريعة الفتك إلا إذا اقترنت بضعف مقاومة شديد وخاصة إذا كان ذلك الضعف ناشئا من قلة الغذاء الصالح. وهنا يعلن الوزير أنه قام ببعض الإجراءات لتحسين التغذية لكن المشكلة بحاجة إلى إجرءات أقوى وأوفى. ويبدو أن الفقر وتدني الأحوال المعيشية لأهل الصعيد كان واضحا وبينا لكل ذي عين ، فمن الواضح مما نشر في الأهرام في هذه الفترة أن وزير الصحة لم يجد صعوبة في إشراك الوزراء الأخرين في حكومته في المرحلة الثانية لمكافحة الوباء التي أطلق عليها الأهرام حملة توفيرالغذاء والكساء. ففي منتصف يناير من عام 1944 ينشر الأهرام خبرا مفاده أن وزير الدفاع ووزير الصحة يبحثان مساهمة الجيش المصري في مشروع لتحسين التغذية في مدريتي اسوان وقنا . وفي فبراير ينشر الأهرام متابعة لزيارة وزيرا الصحة والتموين في الأقصر لمتابعة مكافحة أثار الملاريا. كان الوزيران يتابعان ما تم افتتاحة من مطاعم شعبية بتمويل من شركة كوم أمبو للسكر التي كان يملكها عبود باشا، ويرافق الخبرمع صورة لوزير الصحة يتذوق الطعام الذي أعد للفقراء بينما يقف أمامه الشيح المحترم محمود محسب ممسكا بالصحن. وقد استمرت الحكومة في القيام بمحاولة تحسين الشروط الاجتماعية لتقوية مكافحة الوباء ، ففي فبراير يصدر رئيس الوزاراء أوامر عسكرية واجبة التنفيذ بتحسين الحالة في قنا وأسوان ، فبعد الديباجة يلزم اصحاب العمل في مدريتي قنا وأسوان بتغذية العمال والمستخدمين على أن يتحمل المستخدم أو العامل نصف التكلفة بحد اقصى 15 مليما في الوجبة الواحدة ، وفي مادته الثانية زيادة أجور العمال الزراعين إلى عشرة قروش يوميا ، وفي مادته الثالثة ينظم عملية توزيع المواد الغذائية والعقوبات المتعلقة بالتلاعب في عمليات التوزيع . ويتضح من متابعة الأهرام أن الحكومة كانت تدرك أن قضية الفقر في الصعيد لا تتعلق بالغذاء فقط وإنما تتعلق بمجمل ظروف العمل والرواتب التي كان يحصل عليها العمال والفلاحين ، ولكن في ظل نخبة سياسية كان حزب الأغلبية فيها يتجه بقوة نحو سياسة الحفاظ على مكاسب كبار الملاك والأغنياء، إنهارت الأوضاع المعيشية للفقراء حتى أن اللجنة المركزية لمكافحة الحفاء بوزارة الشئون تبرعت بثلاثة آلاف حذاء لفقراء قنا وأسوان. البرلمان والحياة السياسية في الخامس من أبريل عام 1944 نشر الأهرام تحت عنوان "رد على تعريض " رسالة من عضوا مجلس الشيوخ الدكتور زكي ميخائيل بشارة وميشيل رزق ، وعضو مجلس النواب نجيب ميخائيل بشارة يردون فيها على تعريض رئيس الوزراء ، النحاس باشا ، بهما في سياق خطاب ألقاه في أسوان قال فيه " أما المديح فموجه للشيوخ والنواب الوفديين عن مدريتي قنا وأصوان لأنهم قابلوا نكبة الملاريا بشجاعة وأقاموا بين مواطنيهم وعرضوا أِشخاصهم للمرض – وأما التعريض فبغيرهم ممن هربوا من المرض واطلقوا سيقانهم للريح وألسنتهم باستجواب الحكومة عن نكبة كانوا عنها من المسؤلين" لم يرض النواب والشيوخ عن هذا التعريض وكتبوا في الأهرام أنهم أول من نبهوا عن الكارثة طوال عام 43 وليس مما يعيبهم أنهم نبهوا إلى الداء ورفعوا شكوى الشاكين إلى جهاتها ومصادرها. ووالواقع أن قارئ الأهرام على مدى الأعوام الثلاثة بين أوائل 1942 واخر 1944 يكتشف بسهولة أن الوباء فاجأ الجميع ، وأن موسم انتشار المرض في عام 1943 كان من الشدة بحيث هرب من الصعيد كل من استطاع الهرب للنجاة بحياته. كما أن حكومة الوفد لم يتحرك منها أي مسئول إلى الصعيد إلا بعد إنحسار موسم انتشار البعوض وبعد أن حققت حملة ردم البرك ورش المستنقعات بعض النجاح فكانت أول زيارة لمسئول من الوفد هي زيارة وزير الصحة التي أشرنا إليها سابقا وكانت في ديسمبر من عام 1943. ولا يبدو مما نشره الأهرام أن كانت هناك مناقشات حامية في البرلمان حول ما تقوم به الحكومة لمقاومة الوباء ، بل على العكس استجاب البرلمان لأكثر من مشروع قانون تقدمت به الحكومة لهذا الشأن دون عوائق تذكر . ويبدو أن حماس السياسين لقضية مكافحة الوباء وتحسين الأحوال المعيشية للفقراء جاء نتيجة لانتشار حملات التبرع التي قامت الجمعيات الأهلية والقائمين عليها . إلا أن صفحات الأهرام تشهد بأن أهم مشاهد استخدام وباء الملاريا في الصراع السياسي تلك الزيارة التي قام بها الملك فاروق للمناطق المنكوبة في فبراير من عام 1944، والتي تلاها في الشهر التالي مباشرة زيارة لزعيم حزب الوفد النحاس باشا لنفس المناطق . الملك يتفقد الحالة في قنا وأسوان رغيف بمائة جنيه الحادي عشر من فبراير يوافق عيد ميلاد الملك فاروق، خرج الأهرام في ذلك اليوم بعنوان ، " مآثر الفاروق في عيد ميلاده - سفره إلى الصعيد – تبرعه بعشرة آلاف جنيه للمنكوبين" . كانت الزيارة وتوقيتها بمثابة حملة دعائية كبيرة للملك . فمن البداية يكتب مندوب الأهرام الخاص مع الركب الملكي أن أطباء الملك قد نصحوه بإرسال مندوب عوضا عن ذهابه بشخصه لكنه رفض . ويضيف أن القطار الذي كان مزوداً بلاسلكي يسمح للملك بالاتصال بالقصر في أي وقت ، كان يلقى حفاوة الاستقبال على الطريق كل مكان وعندما يصل القطار إلى إسنا يصلي الملك صلاة الجمعة في مسجد إسنا، ويقف في استقباله هناك مديرا قنا وأسوان " فما كاد يراهما جلالته حتى قال لهما : أريد أن أقف على الحالة بالتفصيل ، لأنني اعتزم أن أبحث بنفسي عن كل شئ ، إنني سأزور الأكواخ وسأتحدث إلى الفلاحين". وعندما اشتد التعب برفقاء الملك في الرحلة قال لهم جلالته : يمكنكم أن تستريحوا أنتم إذا شئتم أما أنا فقد جئت لأعمل. وهكذا يمضي مندوب الأهرام في الكتابة عن رحلة الملك ، ففي أرمنت يبقى الملك ساهرا على راحة شعبه ، فبينما ذهب الجميع إلى النوم ظل الملك يطوف بالدساكر والكفور يستوقف الغفراء ويسأل الفقراء عن الحالة الصحية ومما يشكون وكيف توزع عليهم الأطعمة ، كما أنه يحادث بسطاء الناس مثل الجندي البسيط الذي يفاجئ بالملك يحادثه ، أو حكايته مع المراة الفقيرة التي دق بابها وعندما فتحت حياها وقال لها أنا فاروق وطلب منها أن تتمنى أية أمنية فطلبت ان تقبل يده. في كل مكان يزوره الملك الجميع يهتفون ، الإنجليز والمصريين، مبتهجين بعيد ميلاد جلالته الذي وافق يوم الجمعة ، ثم يزور مبرة محمد علي وياخذ قطعة من رغيف فيندفع الأستاذ محمد حامد محسب عضو النواب السابق ليعلن استعداده لشراء باقي الرغيف بمائة جنيه فيناوله جلالة الملك إياه. وفي منتصف مارس قام النحاس باشا بجولة مماثلة لجولة الملك في الصعيد، وقد اختلفت تغطية الأهرام لجولة النحاس عن جولة الملك ، ففي جولة رئيس الوزراء إلتزمت الجريدة بالاختصار، والاقتصار على الخبر في كل احداث الرحلة ، وخلت التغطية من القصص والنوادر والإشارات ، ومن هذه الزاوية تحديدا بات واضحا إين يقف الأهرام في المسافة بين الوفد والقصر فقد كان ميالا بشكل واضح للملك، وربما كان هناك من يدرك أن ايام الوفد في الوزارة قد انتهت ، ففي أكتوبر من العام نفسه خرج الوفد من الوزارة . المجتمع المدني الوزير يفجر الحملة الشعبية لإغاثة منكوبي وباء الملاريا ظل الأهرام حتى نهاية عام 1943 يعرض وباء الملاريا بوصفه مشكلة صحية طالت جنوب البلاد ومن ثم كانت متابعة جهود الدولة ممثلة في وزارة الصحة هي أساس القضية، وظل الأمر على هذ النحو حتى كانت زيارة وزير الصحة، وفي تصريحاته التي أعقبت الزيارة عرض الوزير ما ستقوم بها وزارته لحث أصحاب الأطيان والأغنياء المحليون في أسوان وقنا للتعاون معهم على تحسين تغذية فلاحيهم وعمالهم. ومن الواضح أن دعوة الوزير كان المقصود منها فقط استثارة تعاطف أعيان المناطق الموبوءة للمساهمة في تحسين أوضاع الفقراء ، إلا ان الدعوة فجرت بشكل غير مباشر أكبر حملة شعبية شهدتها البلاد لتحسين أحوال منكوبي الوباء . فقبل هذا التصريح لم ينشر الأهرام أي خبر عن تنظيم مساعدات للمنكوبين رغم أن أن الوباء كان في موسمه الثاني، لكن بعد هذا التصريح كان الأهرام كان ينشر بشكل شبه يومي وعلى مدى الشهور التالية، أخبار حملة الغذاء والكساء وقوائم المتبرعين. جاءت أول استحابة من المجتمع من الأميرة شيوه كار ، الزوجة الأولى للملك فؤاد ، ففي 12 يناير 1944 ينشر الأهرام أول خبر للجهود التطوعية لمكافحة أثار الوباء ، وتحت عنوان "لإعانة فقراء قنا وأسوان" كتب يقول "علمت صاحبة السمو الأميرة شيوه كار بما كان من أثر الملاريا في مديريتي قنا وأسوان فأمرت سموها دائرتها بتوزيع الدمور والكستور والبطاطين على المحتاجين وأمرت بفتح مطاعم شعبية لصرف الغذاء مجانا". وفي 16 يناير أي بعد أربعة أيام فقط بنشر الأهرام خبر عن مساهمة سيدات جمعية الهلال الأحمر التي كانت ترأسها صاحبة العصمة هدى هانم شعراوي ، كما ينشر نداء من حرم عبود باشا إلى سيدات مصر تذكرهم فيه بأنها مقيمة في ارمنت ( في وسط المناطق الموبوءة) وتبذل كل ما في طوقها لمكافحة حمى الملاريا وبذلك تساعد الحكومة في مجهودها للقضاء على الحمى الفتاكة، ونداؤها لسيدات مصر أن يتبرعن بالثياب والبطاطين والألحفة وما إلى ذلك مما يكون ذا فائدة للمساكين. ويبدو أن الأميرة شيوه كار لم ترض عن تناول الإعلام لمبادرتها الأولى ، فقد جاءت على شكل خبر صغير، ومن ثم آثرت إطلاق نداء جديد أكثر وضوحا تشير فيه إلى جسامة الخطب الذي تتصدى له، وتنوه فيه عن دور"مبرة محمد علي الكبير " التي كانت في مقدمة الهيئات التي تصدت للمعاونة ، وفي اجتماع الجمعية التي أنشئت قبل 23 عام، تلقي الأميرة كلمة تقول فيها: "ومنذ عشرين يوما علمت من صديقة لنا وصلت حديثا من الصعيد نبأ تفشي الملاريا هناك ، فوجهنا جهدنا نحو المساعدة ، ونحن نطعم حوالي 15000 من المنكوبين يوميا" خلال الأيام القليلة التالية أصبح واضحا أن هناك ثلاث قوى اهلية في الصعيد تتعامل مع القضية التي أثارها وزير الصحة. كانت أولى هذه القوى هي مبرة محمد علي برئاسة الأميرة شيوه كار وثانيها جمعية الهلال الأحمر برئاسة هدى شعراوي ، أما ثالثتها فهي جهود ليدي عبود باشا . وطريقة تعامل الأهرام مع هذه القوى الأهلية الثلاثة تبين أنها كانت متنافسة، ويبدو أنه كانت هناك محاولات من القصر والحكومة للاستفادة من هذه القوى الأهلية وخاصة أن محركيها كانوا من الطبقة الأرستقراطية ، ونشطاؤها من الطبقة الوسطى. فالحكومة على سبيل المثال جعلت لكل جمعية مساحة جغرافية للنشاط ، فمبرة محمد على استقرت في الأقصر وجمعية الهلال الأحمر في إسنا بينما تُركت أرمنت وضواحيها لحرم عبود باشا حيث منطقة نفذ الباشا ومصنعه المشهور لإنتاج السكر. وأثناء زيارة الملك للصعيد يوزع اهتمامه على الأطراف الثلاثة فهو يستقل سيارة جمعية الهلال الأحمر ويقول لسيداتها " أني سعيد بالسيدة المصرية التي تضحي براحتها في سبيل الفقراء " وبعد ذلك يأمر بدعوة المتطوعات ليتناول الغذاء مع سيدات الهلال ومبرة محمد علي ، ثم يذهب إلى الأقصر في لنش عبود باشا. ويبدو أن الأهرام كان يدرك حساسية المنافسة بين الأطراف الثلاثة ، فعلى مدى عام كامل لم ينشر الأهرام خبرا عن مبرة محمد علي إلا وكان هناك خبرا مماثلا لجمعية الهلال الأحمر ، وحين فتح الأهرام باب التبرع على صفحاته لقراءه كانت التبرعات تأتي محددة للذهاب لطرف بعينه، فكان الأهرام ينشر قوائم التبرعات التي تخص كلا المؤسستين بنفس المستوى. ليس هذا فقط بل أن قوائم التبرعات التي كان ينشرها الأهرام تباعا تدل على أن هذا التنافس القائم داخل الطبقة الأرستقراطية كان محسوسا في الطبقات الوسطى بحيث تجد الكثير من المتبرعين وهم من فئات مختلفة من المصريين والأجانب، يوجهون تبرعاتهم لمبرة محمد علي أو لجمعية الهلال الأحمر دون سبب واضح للتخصيص ألهم إلا الميل الشخصي للقائمين على المؤسسة التي يرغب في التبرع من خلالها. والواقع أن نشاط الجمعيات الأهلية كان أكثر وضوحا في المجتمع من الأداء المهني البارد للدولة في مقاومة الوباء، والأداء السياسي الباهت للطبقات السياسية والأحزاب والبرلمان ، حتى أن الساحة الأهلية أصبحت هي التي عبرت عن الاستقطاب الاجتماعي والسياسي للمجتمع ، وهذا ما يمكن متابعته بشكل واضح من صفات الأهرام طوال عام 1944. تبرعات من الجميع كان من نتائج النشاط الاجتماعي والتنافس فيه أن تنافس الجميع في إبراز مكانتهم الاجتماعية من خلال تبرعاتهم . فقد كان في طليعة المتبرعين العائلة المالكة ، فبعد تبرع الملك بمبلغ عشرة ألاف جنيه جاءت التبرعات من جلالة الملكة ، والملكة الأم والأميرات الشقيقات ، والأمراء والأميرات والنبلاء والنبيلات. ويطالعنا الأهرام بقوائم من أسماء المتبرعين من الباشوات والبكوات والهوانم وصاحبات العصمة ، فكان في طليعة المتبرعين أصحاب السعادة علي باشا الشمسي ومحمود شكري باشا و محمد بدراوي باشا وصاحبة العصمة ناهد سري وعبود باشا ، كما تبرع النائب المحترم رينيه قطاوي (اليهودي) بمكافأته البرلمانية للفقراء. وتمتد قائمة المتبرعين والمتبرعات لتضم صاحبة العصمة أم المصريين وصاحبة العصمة قوت القلوب الدمرداشية وعقيلات كل من محمد طاهر باشا وحسين سري باشا وحافظ عفيفي باشا وسامح موسى بك ومارييت بطرس غالي ومحمد محمود باشا وابراهيم الملواني بك وحرم جورج خياط والمسيو جاتينيو وادوار صاروفيم وتوحيد هلال والمستر يونكر ومصطفى زياد بك والأنسة جستين ديواي وتشترك الأقالم في التبرعات تبرعات ، من ديروط ، عزيز أباظة بك يجمع التبرعات خلال مؤتمر للعمد والأعيان ديروط والقليوبية وامبابة ومن الاسكندرية والمنصورة ودمياط وشربين وكفر الزيات و كفر الدوار و القنطرة وطهطا وجرجا والزقازيق. ومن الفئات التي شاركت بقوة طلبة الجامعة الذين أقنعوا لأميرة شيوه كار بفكرة الطواف بالشوارع لجمع التبرعات وقد تطوعت سيدات الطبقة الراقية بالطواف لهذ الغرض النبيل فكانوا يجوبون الشوارع يحملن الصاديق ليحثوا الناس على التبرع . وكذلك جاءت التبرعات من معلمي التعليم الإلزامي بأسيوط، ومن الجالية اليونانية وتجار الإسكندرية، وأيضا الهيئات خيرية منها الجمعية الإسلامية الخيرية وحمعية القديس منصور الخيرية ورابطة هواة الموسيقى. كما قامت جمعية أنصار التمثيل في دار الأوبرا الملكية لتقديم حفلة خاصة لمسرحية "في بيوت الناس" من تمثيل سليمان نجيب وعقيلة راتب وفردوس محمد وأنور وجدي خصصت إيراداها لمنكوبي الملاريا. وبالرغم كل ما أحاط النشاط الأهلى من أمراض التنافس والتفاخر الاجتماعي، إلا أن هذا النشاط هو الذي فتح نافذة للمجتمع للإطلال على أحوال الصعيد الاقتصادية والاجتماعيىة ، بل إننا نجد في هذه الفترة بعض التجارب المثيرة للعمل الأهلي من بينها التجربة المتقدمة في العمل الاجتماعي التي قامت بها مبرة محمد علي فقد اعتمدت الرعاية الاجتماعية المتكاملة مدخلا للإغاثة كما اعتمدت على الشخصيات المفتاح في المجتمع " ففي كل قرية تعاونا مع الفلاح حتى يساعد نفسه ، وكما عينت المبرة رئيسا لما سميناه اللجنة التنفيذية واحترناه من أصحاب النفوذ فيها تساعده لجنة من رجال أشداء لهم سمعة طيبة " وفي المحصلة يعطينا الأهرام أكثر من دليل عن قسوة وباء الملاريا في أعوام الحرب ، لكنها قسوة ألقت الضوء على المدى الذي وصل إليه المجتمع المصري من النضج في العمل الاجتماعي الذي كان يهدف الخير العام ، وفي المقابل كشف حالة الترهل التي وصل إليها المجتمع السياسي المصري قصرا وأحزابا فقد بدأ عده التنازلي نحو الاضمحلال.
Only voices installed on your device are offered. Install an Arabic voice in your device settings if none appears.