العودة إلى الملف

الهوية في مصر4.doc

تنزيل الملف الأصلي

يعرض القارئ تنسيق صفحات المستند. تُعرض مستندات Word وOffice بصيغة PDF؛ وقد تختلف الخطوط وتوزيع الصفحات قليلاً.

الاستماع / النص الميسّر

نص الاستماع وأدواته

يستخدم القارئ النص الأرشيفي المحفوظ عند توفره، ويعرض النص حسب ترتيب القراءة المتاح؛ وقد يختلف عن تنسيق الملف والصيغ والصور المضمنة. الاستماع يقرأ النص كما هو ولا يترجمه.

د.حنا جريس شخصية مصر وهوية المصريين اعترض بعض الأصدقاء والقراء على ما كتبته في هذا المكان منحازاً فيه لمصطلح "شخصية مصر" على حساب مصطلح "هوية مصر" . وفحوى الاعتراض أن الهوية تعبير عن الكينونة فهي إجابة السؤال "من نحن؟" ، بينما الشخصية تعبير عن الصفات والسمات فهي إجابة السؤال "كيف نحن؟" . ولا اعتراض لدي على توضيحهم سوى أنني أفضل استخدام تعبير "هوية المصريين" باعتبار أن البشر هم الذين يبحثون عن سر كينونتهم ووجودهم . لكنني أظل على إنحيازي لأولوية دراسة وفهم "شخصية مصر" قبل الحديث عن سؤال الهوية ، فنحن لا نستطيع أن نتحدث عن هوية حقيقة إلا باستيضاح روح المكان الجغرافية واستكشاف درس الزمان الذي هو حركة التاريخ فوقها، ومثل هذه العملية الاستكشافية لا يمكن أن تكون إلا عملية عقلانية متجردة لا تخضع لأهواء الأيدولوجية وهي جهد لا بديل عنه لاستيعاب رأسمالنا الحضاري الذى نرى فيه ذاتنا بوضوح فتتبدى لنا هوية المصريين. و ربما بهذ المعنى يكون المؤرخ البريطاني الشهير "أرنولد توينبي" (ت 1974) هو أول من حاول استكشاف شخصية مصر حين فسر نشأة الحضارة المصرية القديمة من خلال نظرية التحدي والاستجابة. وقد استلهم توينبي نظريته من عالم النفس "كارل يونج " (ت 1916) الذي درس استجابة الفرد للتحديات ، فاستجابة الضعيف هي الانطواء والاستغراق في الماضي للهروب من الواقع المأزوم. بينما تكون استجابة القوي التحدي والاشتباك مع الأزمة وابتداع حلول جديدة . وقد طبق توينبي نظريته تلك على مصر حيث كان التحدي الأول هو الجفاف الذي أصاب غابات مصر في العصور الموغلة في القدم. وقد نتج عن هذا التحدي نوعين من الاستجابة ، النوع الأول سلبي، وفيه ارتحل الضعفاء هروبا وراء المطر والكلأ والحيوان وظلوا بدائين. أما استجابة الأقوياء فكانت تحدي البقاء والإبداع في إيجاد حلول للخروج من الأزمة بترويض النهر واستنبات الأرض، فأنشأوا أولى الحضارات الإنسانية. ولأن التحدي فعل مستمر لا ينقضي ، فكل استجابة لتحدي هي حل يتحول بعد فترة من الزمن إلى تحدٍ جديد . والناظر لتاريخ مصر الحديث يدرك أن تحدي الخروج من قاع التخلف الذي امتد على مدى قرون الاحتلال العثماني كان قائما منذ نهاية القرن الثامن عشر ، والاستجابة بدأت بإرهاصات قوية متصالحة مع النفس ومتطلعة للتقدم ، إلا ان هذه الاستجابة نفسها تحولت منذ ثلاثينيات القرن العشرين إلى أزمة مستحكمة إصطلحنا على تسميتها " ازمة الهوية " هي التحدي الجديد الذي استدعى استجابة جديدة. ويمكن أن نقول أن القرن العشرين بمعناه التاريخي السياسي (1914- 1989) كان قرن البحث عن الهوية الوطنية في بلاد العالم الثالث ومنها مصر، وهو قرن الاستقلال والتحرر الوطني من الاستعمار وهو القرن الذي شهدنا في نهاياته أزمة تداعي الأيدلوجيات الكبرى والمستمرة تداعيتها حتى الآن في صورة الأصوليات الدينية والشوفينية القومية. ولمائة عام خلت جاءت استجابتنا نحن المصريين للتحدي الجديد مطابقة لنظرية توينبي ، فالبعض رحل إلى الماضي الفرعوني أو القبطي أو الإسلامي ليبحث عن الهوية المفقود والبعض هاجر إلى أيدولوجية القومية العربية ليجدد هوية تشكلت في القرن التاسع عشر، وهم جميعاً في ارتحالهم قاموا قدر ما استطاعوا باختراع مصر التاريخية التي تناسب التصورات الأيدلوجية . وهي مصر مشوهه ساهم في تشويهها كافة الأطراف، فأصبحت جغرافيتها مهملة وتاريخها مهلهل . ان اختراع مصر في كل هذه التصورات يدفع في النهاية إلى التناحر بين مكونات التركيبة الاجتماعية والثقافية المصرية ، وما أن يبدأ صراع أصحاب الهويات المختلفة حتى تبدأ سلسلة من الشقاقات التي قد يصل مداها في ظل الأزمة المجتمعية المحتدمة إلى صدام طائفي سياسي أو ديني. هذا هو المشهد الحالي لمصر التي تبحث نخبها الآن بشكل فوضوي عن هويتها وكأنها ولدت بالأمس القريب أو أن أبناؤها وفدوا عليها البارحة. وهو مشهد يتناقض بشكل صارخ مع المحاولات الجادة والدؤوبة التي قامت بها النخبة المصرية لاستكشاف مصر والجماعة المصرية في العصر الحديث والمعاصر . والاستكشاف كما أراه هو عملية سبر غور الظاهرة التاريخية لـ"الفلتة الجغرافية" التي تسمى مصر، ولكنها لا ينبغي أن تكون عملية اكتشاف تقليدية وإنما ينبغي تتسم بجرأة طرح الأنساق الفكرية والاجتماعية التقليدية للنقد العلمي الجاد والقاسي، لتؤسس نسق فكري جديد قائم على معطيات الاستكشاف دون خوف من السلطة، أية سلطة ، ودون استسلام لأوهام هوية مخترعة . إننا إن أردنا الخروج من الأزمة المجتمعية الشاملة التي تلم بنا الآن ، علينا تنظيم الفوضى الوجدانية والعقلية العامة التي نعاني منها ، أو كما يقول جمال حمدان "اننا بحاجة ماسة إلى فهم كامل لوجهنا ووجهتنا، لكياننا ومكاننا ، لإمكانيتنا وملكاتنا ، ولكن أيضاً إلى لنقائصنا ونقائضنا ، كل أولئك بلا تحرج ولا تحيز ولا هروب فليس في العلم شعب الله المختار"

تُعرض الأصوات المحلية المثبتة على جهازك فقط. إذا لم يظهر صوت عربي، أضفه من إعدادات الجهاز.