العودة إلى الملف

augustin_final.pdf

المعاينة المنسّقة: أول ١٠٪ من الصفحات، مع التقريب إلى الأسفل. لا تتوفر معاينة لصفحات كاملة للمستندات الأقل من ١٠ صفحات. يتطلب الوصول الكامل تصريح الحقوق والإتاحة.

يعرض القارئ تنسيق صفحات المستند. تُعرض مستندات Word وOffice بصيغة PDF؛ وقد تختلف الخطوط وتوزيع الصفحات قليلاً.

الاستماع / النص الميسّر

يستخدم الاستماع مقتطف النص الحالي: حتى ١٠٪ من الكلمات، بحد أقصى ٢٠٠٠ كلمة. قد تختلف نقطة نهايته عن معاينة الصفحات.

نص الاستماع وأدواته

يستخدم القارئ النص الأرشيفي المحفوظ عند توفره، ويعرض النص حسب ترتيب القراءة المتاح؛ وقد يختلف عن تنسيق الملف والصيغ والصور المضمنة. الاستماع يقرأ النص كما هو ولا يترجمه.

حنا جريس- عن أوغسطينوس القديس أوغسطينوس: رحلة الفيلسوف وتأثيره على الفكر الغربي "لقد أصبحت أنا نفسي مشكلة كبرى لنفسي"[1]. مقدمة: يحتل القديس أوريليوس أوغسطينوس (354-430م) مكانة فريدة ومرموقة في تاريخ الفكر الإنساني، فهو، دون مبالغة، أحد أبرز العقول التي صاغت ملامح الحضارة الغربية. لم يكن تأثيره مقتصرًا على نطاق اللاهوت المسيحي فحسب، بل امتد ليشمل آفاق الفلسفة والأخلاق والسياسة، تاركً ا بصمات لا تُمحى على مسيرة الفكر الغربي. وقد وصفه المؤرخ توماس كاهيل[2 ] بأنه "أول شخص من العصور الوسطى وآخر شخص من العصر الكلاسيكي["3] ، وهو وصف دقيق يجسد ببراعة الطبيعة الجسرية لفكر أوغسطينوس، الذي استوعب التراث الكلاسيكي وأعاد صياغته في قالب مسيحي مبتكر . يُعد أوغسطينوس من أعظم الفلاسفة المسيحيين في العصور الوسطى، ولم يأت بعده من يضاهيه في العمق والتأثير، ربما باستثناء القديس توما الإكويني[4 .] إن كتابات أوغسطينوس لم تقتصر على الجوانب اللاهوتية والفلسفية البحتة، بل تتجاوزها لتُعد أيضًا مصدرًا أساسيًا وثريًا للتاريخ الاجتماعي والثقافي لعصره. إن رحلته الفكرية، بما اتسمت به من تحولات عميقة وبحث دؤوب عن الحقيقة قد أثمرت أعمالاً خالدة، لعل من أبرزها في سياقانا في الشرق كتابي "الاعترافات ["5 ] و"مدينة الل ["6 .]أما الأول فيُعتبر عملاً استبطانيًا فريدًا في الأدب القديم، يجمع ببراعة بين السيرة الذاتية والتأمل الفلسفي والمناجاة الروحية؛ بينما يقدم لنا الثاني رؤية بانورامية للتاريخ البشري ودفاعًا متينًا عن المسيحية في مواجهة التحديات الفكرية والسياسية التي عصفت بعصره . أهدف في هذه العجالة إلى تتبع المسيرة الفكرية المعقدة للقديس أوغسطينوس، والغوص في أعماق أعماله الرئيسية، واستكشاف التأثير الواسع الذي أحدثه في تطور الفكر الفلسفي الغربي، معتمدًا على منهج نقدي مقارن لتقديم صورة شاملة ومتعمقة لهذا المفكر

الاستثنائي الذي لا يزال فكره يتردد صداه في ثنايا الفكر الغربي المعاصر. أولا: الرحلة الفكرية لأوغسطينوس لم تكن رحلة أوغسطينوس نحو الإيمان المسيحي والفهم الفلسفي طريقًا ممهدًا، بل كانت مسارًا متعرجًا، حافلاً بالبحث القلق، والتجارب الروحية العميقة، والمواجهات الفكرية الحاسمة. لقد شكلت المؤثرات المبكرة في حياته، مرورًا بانغماسه في التيارات الفكرية السائدة في عصره، ووصولاً إلى تحوله الديني، مراحل جوهرية في تكوين عقليته التي أثرت بعمق في تاريخ الفلسفة واللاهوت. 1. النشأة الأولى والتكوين: وُلد أوريليوس أوغسطينوس في الثالث عشر من نوفمبر عام 354 ميلادية في مدينة طاجاست[7]، التي تُعرف اليوم ببلدة "سوق أهراس " في الجزائر. نشأ أوغسطينوس في كنف أسرة تعكس التنوع الديني الذي كان يميز شمال أفريقيا الرومانية آنذاك؛ فوالده كان وثنيًا لم يعتنق المسيحية إلا وهو على فراش الموت، بينما كانت والدته مونيكا[8 ] مسيحية تقية ذات إيمان عميق، وقد مارست تأثيرًا بالغًا ودائمًا على تطوره الروحي والديني. تلقى أوغسطينوس مبادئ الديانة المسيحية في سن مبكرة، وهو ما شكل بذرة أولى ستنمو لاحقًا لتصبح حالة راسخة من الإيمان والتأمل اللاهوتي. بدأ مسيرته التعليمية في طاجاست، ثم انتقل إلى مداوروش[9]، وهي مدينة نوميدية قريبة، قبل أن يواصل دراسته العليا في قرطاج[10] ، المركز الثقافي النابض بالحياة في شمال أفريقيا آنذاك. في قرطاج، برع أوغسطينوس في دراسة علم البيان، وأظهر تفوقًا ملحوظًا. إلا أن نقطة التحول الفكرية الأولى في حياته تجلّت من خلال قراءته لكتاب "هورتنسيوس["11 ]للفيلسوف والخطيب الروماني شيشرون[12 .]هذا الك تاب، الذي فُقد معظمه الآن، ألهب في نفس الشاب أوغسطينوس حبًا جارفًا للفلسفة وشوقًا عارمًا نحو الحكمة الأبدية. لقد فتح "هورتنسيوس" عينيه على عالم الأفكار والتأملات العقلية، ودفعه إلى البحث عن

الحقيقة بمعزل عن الطموحات الدنيوية. تزامنت هذه الصحوة الفكرية مع فترة من الاضطراب في حياته الشخصية. ففي مقتبل شبابه، عاش أوغسطينوس حياة صاخبة، ودخل في علاقة غير شرعية مع امرأة لم يكشف عن اسمها في "الاعترافات"، وأنجب منها ابنه "أديوداتوس ["13 ]الذي كان يكن له حبًا عميقًا. هذه التجارب الحياتية، بما فيها من انغماس في الملذات وصراعات داخلية، لم تكن مجرد أحداث عابرة، بل شكلت مادة خصبة لتأملاته اللاحقة حول طبيعة الخطيئة، وضعف الإرادة البشرية، وضرورة النعمة الإلهية للخلاص . إن الصدق المؤلم الذي سيتحدث به لاحقًا عن هذه الفترة في "الاعترافات" يكشف عن عمق الصراع الذي كان يعتمل في نفسه بين تطلعات الروح وإغراءات الجسد. 2. الانغماس في المانوية: البحث عن إجابات لمشكلة الشر في خضم بحثه عن الحقيقة وسعيه لتفسير لغز الشر الذي طالما أرّقه، وجد أوغسطينوس الشاب ضالته المؤقتة في الديانة المانوية[14 .]انجذب إلى هذا المذهب الفارسي الأصل، الذي أسسه ماني[15 ]في القرن الثالث الميلادي، وظل من أتباعه لمدة تسع سنوات، تقريبًا بين عامي 373 و 382 م. قدمت المانوية لأوغسطينوس إطارًا فكريًا بدا له في مستهل الأمر مقنعًا لتفسير مشكلة الشر، التي استعصت على فهمه في قراءاته الأولية للكتاب المقدس . فالعقيدة المانوية ترتكز على مبدأ ثنوي صارم، يرى العالم مسرحًا لصراع كوني أبدي بين مبدأ النور (الخير ) ومبدأ الظلمة (الشر). وقد وجد أوغسطينوس في هذا التفسير ما يرضي نزعته العقلانية آنذاك، حيث بدا له أن المانوية تقدم تفسيرًا منطقيًا لوجود الشر والصراع الداخلي الذي كان يعيشه بين تطلعاته الروحية ونزعاته الجسدية. كانت المانوية تدّعي أنها تقدم معرفة علمية بالكون، وتنبؤات فلكية، وهو ما استقطب العقل المتعطش للمعرفة لدى أوغسطينوس. كما أن تأكيدها على أهمية العقل في فهم الدين، وتقديمها لنظام كوني متماسك، بدا له متفوقًا على ما اعتبره بساطة في النصوص المسيحية التي اطلع عليها في تلك الفترة. بالإضافة إلى ذلك، فإن المانوية، بتمييزها الحاد بين الروح (النور ) والمادة (الظلمة)، قدمت له تفسيرًا للرذيلة والشهوة التي

كان يكابدها، حيث اعتبرت أن النفس البشرية هي مزيج من جزيئات النور المحبوسة في المادة الشريرة، وبالتالي فإن الصراع الداخلي ليس مسؤولية الفرد بالكامل، بل هو نتيجة لهذا التكوين المزدوج. بيد أنه مع مرور الوقت، بدأت الشكوك تساور أوغسطينوس حول مصداقية التعاليم المانوية. لقد اكتشف أن نظريات ماني حول الكون والظواهر الطبيعية كانت خيالية وتفتقر إلى الدقة العلمية التي ادّعتها. كما وجد أن المانويين، عند مواجهتهم بالأسئلة الصعبة أو الانتقادات، يلجأون إلى السخرية أو يزعمون أن النصوص المقدسة قد تعرضت للتحريف كلما تعارضت مع معتقداتهم. وكانت نقطة التحول الحاسمة هي لقاؤه بفاوستوس[16]، أحد أبرز أساقفة المانوية، الذي كان أوغسطينوس يعلق عليه آمالاً كبيرة في الحصول على إجابات شافية لتساؤلاته المتزايدة. إلا أن هذا اللقاء كان مخيبًا للآمال، حيث وجد أوغسطينوس أن فاوستوس، رغم بلاغته، كان يفتقر إلى العمق الفلسفي والمعرفة الحقيقية التي كان ينشدها . هذه الخيبة العميقة في فاوستوس، وفي المانوية بشكل عام، دفعته إلى الابتعاد تدريجيًا عن هذا المذهب والبحث عن مسارات فكرية أخرى. 3. الأفلاطونية المحدثة: جسر نحو المسيحية عقب خيبة أمله العميقة في المانوية، مرّ أوغسطينوس بفترة من الشك الفلسفي، حيث انخرط مع الأكاديميين الجدد[17 ] الذين كانوا يتبنون موقفًا شكاكيًا متطرفًا حيال إمكانية الوصول إلى اليقين المعرفي. إلا أن هذه المرحلة لم تدم طويلاً، إذ سرعان ما وجد ضالته الفكرية في "كتب الأفلاطونيين["18]، وهي مجموعة من النصوص الفلسفية، يُعتقد أنها تضمنت أعمالاً لأفلوطين[19( ] مؤسس الأفلاطونية المحدثة) وتلميذه فرفوريوس[20 .]كان لقراءته لهذه النصوص، حوالي عام 386 م، تأثير حاسم وعميق في مسيرته الفكرية، وشكلت جسرًا حيويًا نحو اعتناقه للمسيحية. قدمت الأفلاطونية المحدثة لأوغسطينوس إطارًا مفاهيميًا جديدًا أتاح له تجاوز المادية التي كانت تشوب تفكيره، وخاصة فيما يتعلق بطبيعة الل والشر . فمن خلال الأفلاطونية المحدثة، استوعب أوغسطينوس مفاهيم أساسية أثرت في رؤيته للعالم

والإلهيات، من أبرزها: تعالي الذات الإلهية ولا ماديتها،

تُعرض الأصوات المحلية المثبتة على جهازك فقط. إذا لم يظهر صوت عربي، أضفه من إعدادات الجهاز.