Back to file

fatimid.doc

Download original

The page view preserves document formatting. Word and Office documents are rendered as PDF; fonts and pagination may vary.

Listen / accessible text

Listening text and controls

Reading text uses the stored archive index when available. Document text preserves reading order where available; original layouts, formulas and embedded images may differ. Speech reads the text as written and does not translate it.

الأقباط في العصر الفاطمي* 1-الخلافة الفاطمية: تأسست الخلافة الفاطمية في المغرب عام 909 م-297 هـ، و ينتسب مؤسسها عبد الله المهدي إلى مؤسس الحركة الإسماعيلية الشيعية إسماعيل بن جعفر الصادق زوج السيدة فاطمة بنت علي بن أبي طالب، و من هنا جاءت كنيتها بالفاطمية.[1] ويُعد تأسيس الخلافة الفاطمية أكبر نجاح حققته الحركة الإسماعيلية في صراعها مع الخلافة السنية أموية كانت أم عباسية ، على الرغم من أن القرن الرابع الهجري شهد انتصارات شيعية أخرى في الشرق، فقبل إعلان الخلافة الفاطمية بوقت قصير نجح الزيديون في إقامة دولة في طبرستان سنة 864 م و اليمن سنة 897م كما استولى القرامطة على جنوب العراق والبحرين و الإحساء وبعد إعلان الخلافة بنحو ثلاثين عاما نجح البويهيون الشيعة في فرض سيطرتهم علي بغداد مركز الخلافة السنية. وقد استطاع الفاطميون استغلال الفراغ السياسي في شمال إفريقيا وبُعّدَهُ عن مركز الحكم السني في بغداد في تأسيس خلافتهم و تقويتها قبل أن يبدءوا في تنفيذ اختيارهم الإستراتيجي في الانطلاق نحو الشرق لإسقاط الخلافة العباسية و قد بدأ الفاطميون تنفيذ مخططاتهم بالسيطرة على حوض البحر المتوسط حتى حانت اللحظة التي استعد لها الخليفة المعز للانتقال إلى مصر مُستغلا في ذلك الفوضى السياسية و الاقتصادية التي حدثت في مصر في السنوات الأخيرة لحكم الإخشيد. [2] 2-الفاطميون في مصر دخل الجيش الفاطمي مصر بقيادة جوهر الصقلبي[3] سنة 969 م/358 هـ . لم يواجه الجيش الفاطمي أية مقاومة حقيقية ،و انتهى الأمر بتفاوض المصريون مع جوهر فكتب لهم الأمان و حكم باسم الخليفة الفاطمي لمدة أربع سنوات هجرية حتى انتقل الخليفة المعز لدين الله إلى مصر سنة 972م . امتدت الخلافة الفاطمية في مصر قرابة مائتي عام يقسمها المؤرخون إلي قسمين، الأول عصر الخلفاء الأقوياء حيث تركزت السلطة في يد الخليفة وحده و استمر قرابة المائة عام حتى الجزء الأول من خلافة المستنصر بالله الذي حدثت في عهده أكبر مجاعة اجتاحت مصر في العصور الإسلامية و المعروفة بالشدة المستنصرية التي امتدت سبع سنوات ، أستدعى الخليفة في نهايتها أمير الجيوش بدر الدين الجمالي من الشام لحفظ الأمن، ولـيبدأ بذلك القسم الثاني للخلافة الفاطمية و الذي يطلق عليه عصر الوزراء الأقوياء حيث ضعفت سلطة الخليفة و سيطر الوزراء على الحكم . وقد سادت تلك الفترة اضطرابات كثيرة انتهت بأن أسقط أخر وزرائها صلاح الدين الأيوبي الخلافة الفاطمية، و أمر بالدعاء للخليفة العباسي في جامع القاهرة. 3-الخلافة الفاطمية ..تغيير "كيفي" للسلطة في مصر: لم يكن الحكم الفاطمي لمصر مجرد تغيير لفئة حاكمة مثلما هو الحال بالنسبة للطولونيين أو الإخشيديين ، بل كان انقلاباً سياسياً واجتماعياً وثقافياً[4]، فلم تَعُدْ مصر ولاية تابعة للخلافة بل أصبحت مقر خلافة بما لذلك من تداعيات مادية وثقافية روحية. فعلى الجانب الاقتصادي استطاع الفاطميون بما جلبوا من ثروات[5] إنهاء التدهور الاقتصادي الذي صاحب نهاية حكم الإخشيد و أعادوا الأمان إلى البلاد على الرغم من أن الأسباب المحلية لهذه الصعوبات الاقتصادية (المتمثلة في انخفاض النيل واجتياح الجراد و الفئران والعواصف والغلاء) ظلت مستمرة لمدة سبع سنوات في الفترة الأولى لحكمهم[6]. وأيضا بطل إرسال الخراج أو الجزية خارج القطر، فتركزت و تداولت ثروات البلاد داخلها. ومن ناحية أخرى مارس الفاطميون سلطاتهم المركزية – مثل معظم السلطات المركزية التي حكمت مصر- في ضبط ثروات النهر, فقاموا بتوسيع شبكة الري و أنشأوا إدارة خاصة للإشراف على أمور الزراعة. كما احتكروا بعض الصناعات و خاصة المتعلقة باحتياجات الجيش. و يصف أحمد صادق سعد الدولة الفاطمية بأنها "أكبر مستهلك في أسواق البلاد و أكبر تاجر" فقد تولت السلطة مهمة فرض التسعيرة على السلع الأساسية و كثيرا ما لجأ الفاطميون إلى مصادرة الغلال من تجارها وبيعها بأسعار جبرية[7]. كما نتج عن اتساع حدود الخلافة الفاطمية من المغرب حتى الشام و الحجاز و اليمن أن هيمن الفاطميون علي التجارة الخارجية لهذه المناطق. كما استفادوا من الثورة الحادثة في حجم وأساليب التجارة حول حوض البحر المتوسط في الفترة بين القرن العاشر و القرن الثالث عشر. ومن ثم أسهم ذلك في ازدهار البلاد تحت الحكم الفاطمي خاصة في العصر الأول[8]. أما على الجانب الثقافي و الروحي ، فإن الفاطميين الذين تزعموا حركة دينية فلسفية اجتماعية عظمى كان هدفها تحويل و تجديد كل الإسلام[9] قد أحدثوا هزة قوية لمجتمع سني مما انعكس على سياسة الفاطميين في التعامل مع السنيين و غير المسلمين علي حد سواء كما سنرى فيما بعد. 4-الدولة الفاطمية و الأقباط شكل المسيحيون ثلث عدد سكان مصر آنذاك[10]، أغلبهم من الأقباط (اليعاقبة) الذين ينتمون إلى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية, و عدد قليل من الروم الذين ينتمون إلى الكنيسة البيزنطية وعدد من الأرمن الأرثوذكس الذين و فدوا إلى مصر في العصر الفاطمي . وكان للكنيسة القبطية في مصر الرئاسة الروحية على الكنيسة في النوبة و الحبشة بالرغم من استقلال النوبة السياسي عن مصر منذ الفتح العربي بقيادة عمرو بن العاص المشروط بدفع الجزية السنوية المعروفة (بالبقط) للسلطة الإسلامية في مصر وبصفة عامة استمر وضع النوبة السياسي كما هو طوال حكم الخلافة الفاطمية كما لم يتدخل الفاطميون في علاقات الكنيسة القبطية بملوك النوبة أو الحبشة فعلى سبيل المثال لم تتدخل السلطة الفاطمية في المراسلات التي تمت لإعادة العلاقات بين الكنيسة القبطية وكنيسة الحبشة و التي تمت بوساطة ملك النوبة في خلافة العزيز[11]. استثناءً لهذه السياسة فقد اشتملت القوانين التي أصدرها الخليفة الحاكم بأمر الله (996-1020) حال تشدده مع غير المسلمين، منع سفر الأساقفة المصريين إلى النوبة أو الحبشة كما منع إرسال خطابات بطريرك الكنيسة القبطية إلى هناك لعدة أعوام. [12] ومن الثابت أن الفاطميين قد استفادوا سياسياً من رئاسة الكنيسة القبطية لكنيسة النوبة. فقد كان بطاركة الأقباط دائمي التوصية لدى ملوك النوبة برعاياهم المسلمين بناء علي طلب الخلفاء الفاطميين[13] ، كما ساهموا في ضمان استمرار وصول الجزية السنوية من النوبة ، مثلما حدث في خلافة المستنصر (1036-1094) حين أرسل وزيره اليازوري حملة إلي بلاد النوبة هدفها مضاعفة الجزية[14]و تذكر بعض المصادر أن بطريرك الكنيسة القبطية أرسل إلي ملك النوبة يوصيه بدفع الجزية بعد أن كان قد أوقفها[15]، و لا نعلم إن كان موقف ملك النوبة هذا نابعا من طلب مضاعفة الجزية أم من موقف اليازوري من الكنيسة القبطية حيث أنه كان قد قبض علي البطريرك وأغلق العديد من الكنائس وطلب الأموال فدية عن الكنيسة و رئيسها[16]. ومن الواضح أيضا أن الأقباط كانوا علي وعي تام بدورهم المحوري في تأمين الحدود الجنوبية لمصر لصالح الخلافة الفاطمية من خلال علاقتهم بكنيستي النوبة والحبشة فعندما أرسل ملك الحبشة إلى الخليفة الحافظ (1132-1149) يطلب منه التوسط لدى البطريرك غبريال بن تريك (1131-1145) لزيادة عدد أساقفة الحبشة رفض البطريرك وأرسل إلى الخليفة ينبه إلى ما في ذلك من خطورة قد تؤدي إلى استقلال كنيسة الحبشة عن الكنيسة المصرية ومن ثم " يخرجهم ذلك إلى العداوة و المحاربة لمن هو متاخم بلادهم من المسلمين كما كانوا يفعلون في قديم الزمان".[17] ومثلما كان للكنيسة القبطية دور في تأمين حدود الدولة الفاطمية مع النوبة كان للمسيحيين الروم دور في تأمين الحدود الشمالية الشرقية، ففي الوقت الذي كان الفاطميون يثبتون أرجلهم في الأراضي المصرية كانت قوات الإمبراطور البيزنطي قد استولت على الكثير من المدن و الحصون في شمال الشام و بدأت في حصار إنطاكية[18] ، ومن ثم كان علي الفاطميين توجيه جهودهم الحربية للشام ، وقد ظلت الحرب دائرة بين الفاطميين من جانب و أعدائهم البيزنطيين و القرامطة من جانب آخر. في إطار هذا الصراع اختار الفاطميون أن يكون لهم قنوات دبلوماسية مع البيزنطيين تمثلت في رعاياهم من الروم المسيحيين. كان للخليفة العزيز بالله (975-996م) زوجة رومية أنجب منها الحاكم بأمر الله وأخته ست الملك كما عين العزيز أحد أخويها بطريركا علي بيت المقدس[19] ، شارك هذا البطريرك في أول مفاوضات دبلوماسية بين الفاطميين و البيزنطيين مفوضا من برجوان وزير الخليفة الحاكم بأمر الله(996-1021) وذلك في فترة خلافته الأولى التي سيطرت عليها أخته ست الحكم. وقد انتهت المفاوضات بعقد معاهدة بين الطرفين مدتها عشر سنوات[20]. وعندما استبد الحاكم بأمر الله بالحكم ، أبعد ست الملك وتشدد في التعامل مع المسيحيين وهدم كنيسة القيامة ضمن كنائس أخرى عديدة في كل أنحاء الخلافة. فعادت المناوشات الحربية من جديد إلى أن قتل الحاكم ، حينئذ أرسلت ست الملك بطريرك القدس في مهمة دبلوماسية إلى القسطنطينية للتفاوض ويبدو أنها لم تؤت أية نتائج لظروف وفاة ست الملك[21]. ويبدو أن دور المسيحيين الروم المحليين في الحكم قد انتهى بوفاة ست الملك فالسفارة التالية التي أرسلها الخليفة المستنصر إلى القسطنطينية كانت برئاسة القاضي أبو عبد الله القضاعي، بل إننا نلحظ إنعدام دور الروم بصفة عامة في مسار الخلافة . 5-الأقباط في السياق الاجتماعي: انتشر الأقباط ديموجرافيا في الأراضي المصرية كافة كما تواجدوا في كل الطبقات الاجتماعية ويعتقد الكثيرون أن هذا التغلغل القبطي الاجتماعي بالإضافة إلى تحول الأقباط إلى اللغة العربية قد ساهم بشكل أساسي في الاندماج الثقافي والحضاري بين الأقباط و المسلمين و في استمرار الأقباط و الكنيسة القبطية الأرثوذكسية كواقع مميز للحياة المصرية عبر كل العصور، و تعكس العناصر الثلاثة التالية ما سبق: (5-1) الأقباط في الإدارة العليا للدولة يُلمّح المقريزي إلي أن جوهر الصقلبى حاول في البداية أن يستبدل الإدارة المحلية للبلاد بالمغاربة القادمين معه[22] لكن لما ظهر له أن هؤلاء المغاربة أكثر إتعاباً للدولة من غيرهم لم يتم ما كان مزمعاً من إخراج العمال القدماء[23] علي أن الفاطميين ما لبثوا أن توسعوا في استخدام غير المسلمين لاسيما الأقباط في إدارة شئون البلاد ، و لا يرجع هذا الموقف فقط إلي سياسة التسامح الديني التي اشتهر بها الفاطميين أو إلى حاجة الدولة إليهم وإنما يرجع إلى أن الفاطميين الشيعة وجدوا أنفسهم في محيط عدائي من أهل السنة و هم الأغلبية الكبرى من سكان مصر فلم يجدوا مناص من أن يعتمدوا على غير المسلمين الذين شكلوا أقلية نشيطة لها خبرة جيدة في إدارة البلاد ، فعهدوا إليهم بالوظائف الرئيسة التي أبعد عنها المسلمون السنيون[24]. ويبدو هذا الصراع بين الطبقة الحاكمة الشيعية والغالبية السنية - الذي استفاد منه الأقباط- في أوضح صورة في حادثة إعادة بناء كنيسة القديس مرقريوس أبى سيفين، فقد استطاع البطريرك الحصول على الموافقة بإعادة البناء من الخليفة المعز، وهو الأمر الذي أثار سنيو الفسطاط فتظاهروا و أوقفوا العمل في الكنيسة مما أضطر المعز للنزول بنفسه إلى موقع الكنيسة و مباشرة أعمال البناء ، و التهديد بدفن أحد الأشخاص ألقى بنفسه في موقع أساس الكنيسة ويعلق كاتب سير البيع المقدسة الذي أورد القصة "بأن الملك عاد إلى قصره ولم يجسر أحد بعد هذا أن ينطق بحرف واحد إلى أن كملت البيعة"[25] فخلال العصر الفاطمي الأول (عصر الخلفاء الأقوياء) ،عين الخلفاء الفاطميون تسعة من الوزراء و الوسطاء[26] غير المسلمين، ثلاثة من اليهود الذين أسلموا قبل قبول الوزارة أو حال قبولها ، و ثلاثة من الروم و ثلاثة من الأقباط ، وكان اثنان منهم عُينا من قبل الحاكم بأمر الله الذي قتلهما فيما بعد أما الثالث فقد أعلن إسلامه حال قبول المنصب الذي ما لبث أن تركه هاربا بعد أيام قلائل لعدم قدرته على دفع رواتب الجند[27]. في العصر الفاطمي الثاني (عصر الوزراء الأقوياء) تغيرت أوضاع الخلافة ، وتغير وضع غير المسلمين بصفة عامة و الأقباط بصفة خاصة فلا نجد في الإدارة العليا للبلاد سوى بهرام الأرمني و هو الوحيد من غير المسلمين الذين تولوا الوزارة في خلافة الحافظ بعد سلسلة من الاضطرابات وقد نعته الخليفة بـ "سيف الإسلام تاج الخلافة " وهو باق على مسيحيته[28]. كانت الدولة الفاطمية تدار من خلال الدواوين المتخصصة ، فكان لها أربعة عشر ديوانا أشرف عل بعضها وعمل بها الكثير من الأقباط، وكان أهم هذه الدواوين ديوان المجلس الذي يذكره المقريزي نقلاً عن ابن الطوير على أنه أصل الدواوين و به كل علوم الدولة[29] و لم يكن يتولى إدارته عادة سوى المسيحيين إلى أن استخدم الوزير رضوان بن ولخشي (عصر الوزراء الأقوياء) المسلمين في المناصب التي كانت بأيدي النصارى، أما ديوان النظر و كان يرأس دواوين الأموال فلم يتولاه إلا مسيحي واحد عينه الخليفة الحافظ و ما لبث أن عزله الوزير بن ولخشي ثم أعاده الحافظ مرة أخرى بعد عزل بن ولخشي من الوزارة ، ولدينا أيضا تواجد قبطي واضح في ديوان التحقيق وهو الديوان الذي لم يكن يتولاه إلا كاتب خبير[30]. ثم لدينا ديوان الخاص والذي يجمع عادة مع ديوان المجلس و قد عين فيه كثير من الأقباط. و بالإضافة إلى ما سبق فقد انخرط الأقباط في كافة الدواوين الحكومية كصغار موظفين وكتبة ، و كأصحاب خبرات في النواحي الإدارية خاصة فيما يتعلق بتحديد الأراضي الزراعية و تقسيمها تمهيدا لجباية ما عليها من خراج و هي المهن التي توارثها الأقباط طوال الحكم الإسلامي فكان منهم المساحون و الأدلاء و القصابون وغيرهم. الأمر الذي يعني أن الأقباط كانوا متواجدين بشكل كبير في إدارة الدولة الفاطمية في كافة مستوياتها أكثر من أي فترة أخرى من فترات الحكم الإسلامي . كان من نتائج هذا التواجد القبطي آنذاك أن أثار حفيظة المسلمين و الذي يبدو أنه كان بسبب مبالغة الأقباط وغير المسلمين بصفة عامة في محاباة ذويهم. و يذكر المؤرخون عددا من أشكال الاعتراض علي مكانة غير المسلمين التي باتت أعلى مما يرغبون مثل التعليقات الشعرية الساخرة أو محاولة البعض أن يصل باعتراضه إلى الخليفة[31]. وقد أدت محاباة بهرام الأرمني للأرمن بصفة خاصة و الأقباط بصفة عامة على مدي عامين إلى اندلاع الاضطرابات التي انتهت بتولي رضوان بن ولخشي الوزارة "فأوقع بالنصارى وأذلهم فشكره الناس[32]". تذبذب وجود الأقباط في إدارة الدولة صعودا هبوطا طوال الحكم الفاطمي،فبينما كان لهم تواجدا ملحوظا في عصر الأول للخلافة تراجع تواجدهم تدريجيا في العصر الثاني حتى مجيء أخر وزراء الخلافة صلاح الدين الأيوبي الذي أخذ بفتوى القاضي البيساني الذي أشار ألا يستخدموا النصارى نظار أموال ولا مشارفين[33]. (5-2) التسامح الديني( العلاقات الإسلامية –المسيحية في العصر الفاطمي) التسامح الديني مع غير المسلمين (وخاصة الأقباط) من أكثر الأحكام على الفترة انتشارا و تصديقا عند أغلب المؤرخين الذين تناولوا هذه الفترة بالتأريخ و التحليل، ويدلل المؤرخون على هذا الحكم بالتسامح الديني بعدة أمور من أهمها مايلي: *ازدياد تواجد الأقباط في المناصب الإدارية العليا للدولة . *حرية إقامة الشعائر الدينية والاحتفالات الدينية، وبناء الكنائس. *التساهل في تطبيق الشروط العمرية. وعادة ما يبرر هذا التسامح بظروف نشأة الدولة الشيعية في محيط عدائي سني كما أسلفنا، أو أن يرد إلى طبيعة الخليفة الواسع الإطلاع و المتسامح مثل المعز[34]، أو لتأثير نساء الخليفة من الأديان الأخرى مثل زوجة العزيز بالله المسيحية و أبنته ست الملك[35]، أو أم المستنصر السودانية و التي ظلت على ولائها لسيدها الأسبق اليهودي الديانة[36].أو أن ترد فترات التشدد إلى جنون الحاكم أو تجاوز أصحاب السلطة أو الأغنياء من "أهل الذمة" مثل بهرام الأرمني[37] . وإذا أمعنا النظر في الأدلة السابقة نجد أن الفاطميين لم يستحدثوا استخدام غير المسلمين في المناصب الإدارية العليا للبلاد، فقد تعامل جوهر من البداية مع رجال الحكم السابق مثل يعقوب بن كلس اليهودي الأصل وأبو اليمن قزمان بن مينا وزير كافور الإخشيدي[38]. وما لبثوا أن توسعوا في ذلك لما ذكرنا من أسباب، كما أنهم لم يشترطوا على الأقباط التخلي عن مسيحيتهم للوصول إلى هذه المناصب أو البقاء فيها. وقد ظل الأمر كذلك طوال الحكم الفاطمي، باستثناء عصر الحاكم[39]، حتى وزارة رضوان بن ولخشي في خلافة الحافظ الذي أخرج المسيحيين من وظائفهم لسبب مسيحيتهم، ويعد بن ولخشي أول وزير سني للخلافة الفاطمية، وهو ما يطلق عليه البعض الإصلاح السني الذي أنهى علي الخلافة الفاطمية بعد ثلاثين عاما من وزارة بن ولخشي[40] علي يد وزير سني آخر هو صلاح الدين الأيوبي الذي منع الوظائف عن الأقباط بفتوى دينية. أما بالنسبة للاحتفالات الدينية، فمن الواضح أنها كانت احتفالات شعبية يشترك فيها كل المصريين طلبا للمرح، وقد شارك الفاطميون في هذه المهرجانات بالهدايا والهبات ومشاركة بعض رموز الدولة في بعض الأحيان، ويعطينا المقريزي وصفا شيقا لأعياد الأقباط زمن الفاطميين مثل عيد النيروز، و عيد الميلاد ، و عيد الغطاس، وخميس العهد، وعيد الشهيد[41] . وقد كان الخلفاء الفاطميين يتغاضون في كثير من الأحيان عن التجاوزات التي كانت تحدث في هذه الاحتفالات كما كانوا يمنعونها في أحيان أخرى. ومن ناحية أخرى كان عصر الفاطميين من العصور التي لم يكدر فيها الأقباط كثيرا بالنسبة لشروط الزي والركوب والمرور و بناء الكنائس التي يطلق عليها العهد العمري. وإقامة الشعائر و المجاهرة به، فمن البداية كان التصريح الذي أعطاه المعز لبناء كنيسة القديس مرقريوس أبي سيفين ، ويخبرنا كاتب سير البيعة أن البطريرك استطاع في نفس الفترة بناء كنائس أخري في الوجه البحري و القاهرة. كما بنى البطريرك زخارياس الكنيسة الكبيرة بدمروا في عهد العزيز بالله ويذكر أيضا أن اخرستودلوس بنى وكرز ستة كنائس في الإسكندرية[42] إلا أن هذا لم يمنع الضغط على الأقباط أكثر من مرة. حدث هذا في خلافة الحاكم بأمر الله ، والوزير رضوان بن ولخشي الذي كان " أول وزير أمر أن لا يستخدموا النصارى في الدواوين الكبار ولا نظار ولا مشارفين وأن يشدوا زنانيرهم في أوساطهم ولا يركبوا الخيل وضاعف عليهم الجزية"،[43]والوزير اليازوري، وفي كل مرة اشتملت القرارات على هدم الكنائس أو إغلاقها مع مصادرة ما بها . ومن الواضح أن أقسى هذه الأحداث جاءت في زمن الخليفة الحاكم الذي يحاول البعض تبرير تشدده مع الأقباط بالالتزام بالشروط العمرية أو بمعنى أخر بتقوى الحاكم نفسه[44]، وهو أمر بحاجة إلى مراجعة في ضوء تصرفات الحاكم الأخرى، وقد بلغت الأحداث في عصره حدا غير مسبوق عندما "ألزم اليهود و النصارى بخروجهم كلهم من أرض مصر إلى بلاد الروم، فاجتمعوا بأسرهم تحت القصر من القاهرة واستغاثوا ولاذوا بعفو أمير المؤمنين حتى أعفوا من النفي".[45] ولعل هذا الحدث يعبر عما يختزنه الأقباط من علاقة حميمة بالأرض التي ينتمون إليها. وعلى صعيد العلاقات الاجتماعية فقد كان من نتائج ازدهار الدولة الفاطمية دفع بمكانة الأقباط الاجتماعية إلى وضع أفضل ، فقد كان للأقباط وجود في كافة مناحي الحياة إنتاجا واستهلاكا. وقد صاحب ذلك وجود علاقات قبطية إسلامية على مستوى النخبة ، فعلى سبيل المثال فإن أحد وجهاء العرب يدعى ماضي بن مقرب كان هو الذي توسط لدى الخليفة الحاكم بأمر الله للإفراج عن كل المسجونين لديه بمن فيهم بطريرك الأقباط الذي كان الحاكم قد اعتقله و قد فعل الرجل هذا بناء على طلب نجار قبطي كان معتل كان يعمل لصالحه.[46] كما نرى الوزير علي بن احمد الجرجاني -الذي يقول عنه كاتب سير البيعة " أنه كان رجل يفهم و يحب النصارى" – هو الذي اقترح على الأقباط استخدام القرعة الهيكلية في انتخاب البطريرك، كما أسقط عنهم مبلغ ثلاثة آلاف دينار موجوبة لبيت المال حل اختيار البطريرك.[47] وعندما أمر اليازوري وزير الخليفة المستنصر بغلق الكنائس في الأسكندرية سارع الأمير المؤيد والي الإسكندرية بإبلاغ الأقباط حتى ينقلوا ما هو هام في كنائسهم من آلات و كساوي وغيرها حتى أنه عند تنفيذ الأمر لم يجد القاضي و الشهود بالكنائس إلا الحصير و مصيدة للفئران.[48] إلا أننا في مقاربتنا هذه سنحاول إلقاء الضوء علي عاملين من العوامل الموضوعية التي قد تتيح لنا فهم المناخ المتسامح الذي وجد بغير شك في فترة الخلافة الفاطمية. ويمكن حصرهما في : (أ) الانفتاح (ب) طبيعة المذهب الإسماعيلي (أ) الانفتاح تراجع الموقف العدائي بين المسيحية والإسلام بصفة عامة طوال القرن العاشر و حتى النصف الأول من القرن الحادي عشر. فمنذ بداية القرن العاشر توقف "الجهاد الإسلامي" عن دق أبواب القسطنطينية حربيا بل وعن التمدد في البحر المتوسط اكثر مما كان يسيطرون عليه، وفي هذا الإطار بدأ تبادل السفارات و الاتصالات التجارية بين المسلمين و المسيحيين الأوروبيين[49] . كانت الخبرة الأولي للفاطميين مع المسيحيين في شمال المتوسط و اليهود في المغرب من خلال التبادل التجاري المنتعش في حوض البحر المتوسط في تلك الفترة[50] وليس العداء الحربي ولعل هذا يفسر لنا قبول الفاطميين المتسامح لغير المسلمين في مصر خاصة الأقباط، ويسرد لنا كاتب سير البيعة المقدسة واحدة من المناظرات الدينية التي كانت تمارس بحرية بين معتنقي الأديان المختلفة في ذلك الوقت وبرعاية المعز لدين الله أول الخلفاء الفاطميين في مصر[51]. وعلى المستوى السياسي تعددت السفارات الدبلوماسية بين البلدان الإسلامية والبلدان المسيحية فكانت هناك مباحثات دبلوماسية بين الإخشيد و البيزنطيين تلتها المباحثات الفاطمية البيزنطية والمعاهدة المبرمة بينهما[52]، وبصفة عامة وعلى مستوى العالم القديم ساد القبول المتبادل بين العالم الإسلامي والعالم المسيحي طوال هذه الفترة. إلا انه في النصف الثاني من القرن الحادي عشر بدأ الهجوم الأوربي المعاكس في إطار الحروب الصليبية مما كان له أثر مباشر في انتكاس التسامح الديني في الجزء الثاني من الخلافة الفاطمية خاصة بعد وزارة الأفضل بن بدر الجمالي و الذي سقطت في عهده أجزاء كبيرة من ممتلكات الفاطميين في الشام في أيدي الصليبين. (ب) المذهب الإسماعيلي كان المذهب الإسماعيلي هو المذهب الرسمي للدولة الفاطمية ويرى صادق سعد أن الهيكل الأساسي للفكر الفاطمي نجده في رسائل إخوان الصفا وهي تدعو إلى وحدة الأخيار و الأخوة بينهم و إلى السماحة إزاء الأديان على أساس مطالب العقل السليم، فالتأويل الفاطمي للمذهب الإسماعيلي أعطى حرية واسعة للتفكير و ازدهر التفكير الفلسفي، و يرد نفس المؤرخ هذه النزعة العقلانية إلى تزايد نفوذ الطبقة التجارية في المجتمع الفاطمي. وقد ارتبط بالمذهب الإسماعيلي كبار المفكرين العرب أمثال المتنبي و أبي العلاء و ابن سينا و الفارابي وابن رشد .[53] (5-3) قوى الإنتاج في العصر الفاطمي و دور الأقباط: يرجع كثير من مؤرخي تلك الفترة ازدهار الخلافة الفاطمية لتلك التقدم الملموس في القوى الإنتاجية الزراعية و الصناعية و ما تبعها من نمو في العلاقات السلعية و النقدية وانتعاش للتجارة الداخلية و الخارجية. أي أن العامل الرئيسي في دفع عجلة التطور الفاطمي كان مرجعه نشاط و جهد صغار المنتجين من المزارعين و الصناع المصريين من المسلمين والأقباط. وكان الكثير من قرى الريف المصري سكانها من النصارى أو يغلب على سكناها الفلاحون من الأقباط ، وقد ساهم الفلاحون الأقباط بقدر كبير في الإنتاج الزراعي ، وأثروا وتأثروا بالسياسة الزراعية لمصر في عصر الفاطميين[54]. إلا أن معلوماتنا عن الريف المصري في تلك الفترة شحيحة، ولا يوجد لدينا ما يجعلنا نعتقد في وجود اختلاف ما بين الفلاح المسلم و أخيه القبطي فكلاهما بتعبير المقريزي" فلاحا قرارا". أما في الصناعة فقد كان للأقباط دور هام في تطويرها وقد كان وراء هذه الطفرة الجديدة رغبة الفاطميين في استغلال مهارة الأقباط في الإنتاج الصناعي[55]وقد تنوعت الصناعات في مصر الفاطمية النسيج, السفن, الأسلحة, السكر, الزيتون, النبيذ, الورق, الزجاج, المعادن…… كما تطورت أساليبها. وكان النسيج هو أكثر الصناعات تطورا و ازدهارا, و هو أيضا أهم الصناعات التي أحترفها الأقباط و تميزوا بها. وقد انتشر نسج الكتان في الإسكندرية و مدن الوجه البحري التي قطنها عدد كبير من الأقباط مثل دمياط و تانيس التي يذكر ناصري خسرو أن سلطان مصر رفض أن يعطيها لسلطان الروم في مقابل مائة مدينة فهي المدينة التي تصنع له "القصب" و "البولقمون" وهما من أفخر منسوجات تانيس ،[56] ونحن نعلم أنه من بداية دخول الفاطميين، أن عائلة قبطية تدعى أولاد قشلام ساعدت جوهر الصقلبي في الاستيلاء على تانيس[57] كما نعلم أن البشامرة تراجعوا عن مساندة القرامطة ضد جوهر مما يجعلنا نعتقد أن الأقباط في المدن الصناعية ساعدوا الفاطميين منذ البداية ضمانا للاستقرار واستمرار صناعتهم، فما أن استقرت الدولة ودفعت بالمناخ الملائم حتى انطلق الصناع الأقباط في الإبداع والإنتاج، و قد تطورت صناعة النسيج بشكل أكبر من كافة الصناعات الأخرى ، و يعلل البعض ذلك بظهور طبقة ثرية من أهل الحكم و المرتبطين بهم مما هيأ فرصة جيدة للصناع للإنتاج و الابتكار فذاع صيت المنسوجات المصرية في العالم القديم وقد استخدم الخلفاء الفاطميين الصناع الأقباط المهرة في مصانع النسيج الخاصة بهم و المسماة "دور الطراز" فقد شيد الخليفة الظاهر مصنعا لنسج الحرير كان يضم ثلاثة آلاف صانع[58] أما في الصعيد فقد اشتهرت أسيوط بصناعة المنسوجات الصوفية حتى أن الإنسان ليظنها منسوجات من الحرير[59] كما اشتهرت أخميم بالمنسوجات الحريرية والصوفية. والملاحظ أن هذه المدن الرئيسة في النشاط الصناعي الخاص بالنسيج كان بها كراسي أسقفية قوية و مشهورة سواء كان ذلك في الأسكندرية أو دمياط أو تانيس أو أسيوط التي كانت البرجوازية الصناعية فيها من القوة بحيث أنها منعت الأسقف المعين للمدينة من دخولها لمدة ثلاثة اعوام لأنهم لم يشاركوا في اختياره و لأنه دفع مالا لينال الأسقفية.[60] وقد نشط الأقباط أيضا في صناعة الورق و التجليد فكان لهم خبرة في صناعة البردي، وقد صاحب ذلك اهتمام الفاطميين بدور العلم و المكتبات, فامتلأت مكتبات الأديرة و الكنائس وكذلك الأفراد بالكتب و المخطوطات.[61] كما شاركوا بسهم في صناعة الزجاج و البلور و المعادن و الخشب (و لصناعة الخشب أهمية كبيرة في الإنتاج الفني لذلك العصر كما سنذكر لاحقا) وفي التجارة الداخلية ساهم الأقباط بنصيب لا بأس به فكانوا همزه الوصل بين المنتجين والتجار الأجانب, فاشتهرت المدن التي قطنها أغلبية قبطية بازدهار أسواقها، فعلى سبيل المثال يذكر ناصري خسرو أن مدينة تانيس كان بها عشرة آلاف دكانا للعطارة . 6-الفن و الثقافة : شهد العصر الفاطمي تأسيس مدرسة فنية و ثقافية متميزة تستحق أن تنسب إلى العصر الفاطمي. وأهم ما تركته تلك المدرسة هي فنون الخشب الموجودة في كافة الأبنية الدينية المسيحية و الإسلامية كذلك في القصور و البيوت. ويحتوي كتاب سير البيع المقدسة المنسوب لساويرس بن المقفع أسماء الكثير من النجارين والمصورين الأقباط مما يؤكد الدور الذي لعبه الفنان القبطي في فنون تلك العصر المسيحية أو الإسلامية. وتظهر بصمات الفنان القبطي في كافة الآثار الباقية من العصر الفاطمي قبطية كانت أم إسلامية . فالحشوات الخشبية الموجودة في حجاب كنيسة القديسة بربارة (والمحفوظة في المتحف القبطي بمصر القديمة) تتشابه في زخارفها مع زخارف العوارض الخشبية لقصر الخلافة الفاطمية (محفوظة في المتحف الإسلامي بالقاهرة) التي تحتوي على أشكال آدمية وحيوانية على خلفية من الزخارف المجردة. وأيضا فأن الحشوات الخشبية للباب الضخم الموجود بدير مار جرجس للراهبات بمصر القديمة و تلك الموجودة في حجاب كنيسة مار يعقوب المقطع (بكنيسة أبوسيفين بمصر القديمة) و التي تتكون معظمها من زخارف مجردة، تتشابه مع الحشوات لباب الأزهر المنسوب إلى الخليفة الحاكم بأمر الله (محفوظة بمتحف الفن الإسلامي بالقاهرة). وتطورت الفنون الخزفية تطورا ملموسا في العصر الفاطمي كنتيجة للازدهار الاقتصادي وظهور طبقة من الأثرياء القادرين على اقتناء منتجات الفنون الخزفية غالية الثمن. كما كان للتبادل التجاري أثر في نقل التقنية الخاصة بهذه الفنون من الصين وإيران والعراق لتبدأ طفرة في إنتاج الأواني الخزفية التي لاقت انتشارا في ذلك العصر و خاصة الأواني الخزفية ذي البريق المعدني. وقد أستخدم الفنان القبطي أشكالاً مختلفة من الفنون الخزفية للتعبير عن موضوعات مسيحية متنوعة مثل الطبق الخزفي ذو البريق المعدني الذي يصور كاهن يحمل بيمينه مبخرة وإلى يساره صليب (محفوظ في المتحف البريطاني) ويبدو أن مثل هذه الخزفيات الدينية كانت منتشرة في العصر الفاطمي قد تطورت بصورة كبيرة. فقد استخدم الفنان القبطي الألوان بشكل أكثر دقة ووضوح , وصور موضوعات أكثر تعقيدا، ويعد الطبق الذي يصور إنزال السيد المسيح من الصليب و المحفوظ بمتحف الفن الإسلامي بالقاهرة من أجمل الأعمال الخزفية الملونة، وعلي الرغم من أنه يرجع إلى العصر الأيوبي فإنه يعطينا فكرة قوية عن التطور الذي حدث في الفنون الخزفية في القرون الوسطى علي يد الأقباط. واستمر المصور القبطي في إبداع الجدرايات القبطية المشهورة مثل جداريات مذبح القديس يوحنا بكنيسة أبوسيفين بمصر القديمة و أيضا الجداريات الضخمة بالدير الأبيض والتي يمكن إرجاعها لفترة حكم بهرام الأرمني الذي عاش في الدير بعد تركه للوزارة في عهد الخليفة الحافظ. 7-التعريب: بدأ تحول الأقباط من اللغة القبطية إلي العربية حثيثا مع دخول العرب مصر (645م) وتسارع منذ الإصدار الأموي بتعريب كافة الدواوين (706م) بتشجيع من البيروقراطية القبطية التي أقبلت على تعلم العربية للحفاظ على مكانتها و نفوذها داخل الدول الإسلامية المتعاقبة كما حرصوا في نفس الوقت على تعليم أولادهم العربية لضمان توريثهم المناصب والوظائف. أما العصر الفاطمي فقد حمل نقلة نوعية في عملية تحول الأقباط إلي العربية تمثلت في الأمور الثلاثة التالية : ظهور مؤلفات بالعربية في مجالات شتى لمؤلفين أقباط لم تعرف لهم مؤلفات بغير العربية كساويرس بن المقفع (أسقف الأشمونين) وسعيد بن بطريق (البطريرك الملكاني). انتشار العربية كلغة في الحياة اليومية بين الأقباط. استخدام العربية في الخدمة الليتروجية (البطريرك غبريال بن تريك 1131- 1145م)[62]. ومما لاشك فيه إن القرار البابوي الذي أصدره البطريرك غبريال بن تريك (1131- 1145م) بتعريب الخدمة الليتورجية ( حيث قرر قراءة الإنجيل باللغة العربية بعد اللغة القبطية أثناء خدمة القداس الإلهي) قد ساهم بفاعلية في التوسع في استخدام العربية كلغة في كافة مناحي الحياة القبطية، أما حيثيات تلك القرار و التي سجلها المرسوم البابوي أن عدد كبير من أعضاء الكنسية أصبح غير قادر على متابعة خدمة القداس باللغة القبطية[63]. وفي تقديرنا أن القرار جاء استجابة عملية للمتغيرات الحادثة في حياة الأقباط على أرض الواقع الاجتماعي و التاريخي. ويبدو ذلك واضحا في إقبال النخبة القبطية على الأسماء العربية مثل السعيد أبو الفخر وأبوالحسن الأبح و الأخرم بن زكريا و المكين أبو البركات و بن أبي ياسر و الرشيد أبو ذكري و غيرهم كثيرين[64] صارت العربية الأداة الثقافية للإنتاج المسيحي القبطي (لاهوت, قوانين كنسية, تاريخ كنيسة, سير قديسين…) بما يعني ذلك من استخدام منهج وأسلوب ومفردات ومصطلحات الثقافة العربية، وكما يذكر أبو سيف يوسف، يبدو هذا جليا في مؤلف ساويرس بن المقفع في اللاهوت ( مصباح العقل ) الذي نحا فيه سواء في الأسلوب او المصطلحات منحى المتكلمين من فلاسفة الإسلام.[65] كما يظهر جليا تأثر الكتاب الأقباط بالثقافة العربية الإسلامية و الذي يمكن إرجاعه إلى طبيعة عملهم الرسمي في الدواوين . لقد بدأت حركة الإنتاج المسيحي لمثقفي القبط بترجمة العديد من أعمال التراث القبطي إلى العربية , فترجموا الميامر (المواعظ الروحية و النسكية) وسير الآباء القديسين وتواريخ البيعة، ويذكر الأنبا ميخائيل أسقف تانيس في ذلك الوقت أن أحد رجالات هذا العصر المعروف بالواضح بن رجا صنف عشرين كتابا لأخر يدعي أبي البشر جارود الكاتب المصري.[66] كما يذكر أنه سافر إلى الشام حيث البطريرك الأنطاكي بالرسالة السنوديقا وهي رسالة اعتراف بالإيمان المسيحي اعتاد بطاركة الإسكندرية وإنطاكية تبادلها وما يعنينا في هذا المقام أنها كانت باللغة العربية. ويعتبر ساويرس بن المقفع أسقف الأشمونين القبطي من أهم المساهمين في تلك الحركة, فهو الكاتب المدون الأول لأهم مؤلف تاريخي عن الأقباط تحت الحكم الإسلامي والمعروف بـ"سير البيعة المقدسة" ثم تناوب على الكتابة في المؤلف عدد كبير من المؤلفين أكملوا ما بدأه ساويرس. ومع النهضة المعرفية التي أثارها الفاطميون أتجه الأقباط نحو تحديد بعض القوانين الكنسية بشكل واضح، فقام البطريرك خرستودولوس (1043- 1074 م) في خلافة المستنصر بالله بنشر مجموعة القوانين الكنسية عام 1048 م. ثم أصدر البطريرك غبريال بن تريك مجموعتين من القوانين الأولى خاصة بالقواعد و الأحكام التي يجب أن ينتهجها الأساقفة و الكهنة، والثانية خاصة بالطقوس الكنسية.[67] اما أهم كتاب تلك الفترة منذ القرن العاشر فهم : أسقف الأشمونين بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية ساوريرس بن المقفع و سعيد بن بطريق البطريرك الملكاني مؤلف كتاب التاريخ المجموع على التحقيق و التصديق و كتاب البرهان . ومن المترجمين الراهب القبطي أثناسيوس و ميخائيل أسقف تنيس الذي عاصر ساويرس . وفي القرن الحادي عشر نجد تواريخ لميخائيل بن بدير القبطي و موهوب بن منصور القبطي و أبي المكارم أسعد بن الخطير بن مماتي وبقيرة الرشيدي . وفي القرن الثاني عشر نجد البطريرك القبطي مرقس بن زرعه . ويعتبر القرنين الثالث عشر و الرابع عشر هما أوج ازدهار الإنتاج المسيحي العربي. ----------------------- *أُعدت هذه الدراسة ضمن سلسلة الأقباط عبر العصور بوحدة المواطنة بالمركز القبطي للدراسات الاجتماعية [1] أيمن فؤاد سيد ، الدولة الفاطمية في مصر :تفسير جديد، الدار المصرية اللبنانية ، 1992 [2] المصدر السابق ، ص 54 [3]يرد نسب جوهر في بعض المصادر" الصقلي" ،بينما يرد في البعض الآخر مثل المقريزي و أبي حامد المقدسي " الصقلبي " ، نسبة إلى عنصر الصقالبة المغربي الذين كانوا في خدمة الخليفة الفاطمي. راجع في ذلك المرجع السابق ص72، حاشية و أبى حامد المقدسي الشافعي، الفوائد النفيسة الباهرة في بيان حكم شوارع القاهرة في مذاهب الأئمة الأربعة الزاهرة ، تحقيق د.آمال العمري ، الهيئة العامة للآثار ، القاهرة ، 1988 ص 32 حاشية رقم 22 . [4] ستانلى لينبول ، سيرة القاهرة ، ترجمة د. حسن ابراهيم حسن و اخرين ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، مكتبة الأسرة1998 ، ص 117 .(راجع أيضا أيمن فؤاد سيد المرجع السابق ص74). [5] تذكر المصادر التاريخية أن المعز أتى إلي مصر بكل أملاكه و خواصه حتى أنه أحضر رفات أجداده، و يفيض المؤرخون في حجم الثروة التي أتى بها المعز و آلتي اعتبرها له نسبا، راجع شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب النويري، نهاية الأرب في فنون الأدب ، جزء 28 ، حققه ووضع حواشيه د. محمد محمد أمين و د.محمد حلمى محمد ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، مركز تحقيق التراث ، 1992، القاهرة ، ص142-143 [6] ساويرس بن المقفع ،ة تاريخ بطاركة الكنيسة المصرية المعروف بسير البيع المقدسة ،تحقيق د.أنطون خاطر و د.أزولدبورمستر- مطبوعات جمعية الآثار القبطية ،المجلد الثاني الجزء الثالث ، القاهرة 1968 ص 90 [7] أحمد صادق سعد ، تاريخ مصر الاجتماعي الاقتصادي ، دار بن خلدون ، بيروت 1979 ص 255. [8] المرجع السابق، ص 253 [9] أيمن فؤاد سيد، مرجع سابق، ص 74 [10] سلام شافعي محمود، أهل الذمة في مصر في العصر الفاطمي الأول، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1995 ص 28. [11] ساو يرس بن المقفع ، مرجع سابق، ص [12] سلام شافعي محمود ، مرجع سابق ، ص 282 [13] سلام شافعي محمود ، مرجع سابق، ص 286 [14] المرجع السابق ، ص 284 [15] إيريس حبيب المصري ، قصة الكنيسة القبطية ، الجزء الثالث مكتبة كنيسة مارجرجس اسبورتنج ، الإسكندرية 1989 ص81 [16] ساويرس بن المقفع ، مرجع سابق، ص [17] ساويرس بن المقفع ، مرجع سابق المجلد الثالث ،ج1 ص 34 [18] سلام شافعي محمود ، مرجع سابق ، ص 250 [19] سلام شافعي محمود ، مرجع سابق ص 33 [20] محمد عبد الله عنان ، مصر الإسلامية و تاريخ الخطط المصرية ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ،مكتبة الأسرة 1998،ص117 [21] المرجع السابق ،ص118 [22] المقريزي (تقى الدين أحمد بن علي)، اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا، تحقيق جمال الدين الشيال، الجزء الأول ، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، 1967 ص 119 [23] أيمن فؤاد سيد، مرجع سابق، ص77 [24] سلام شافعي محمود ، مرجع سابق ص 28 ، أيمن فؤاد سيد مرجع سابق ،ص89 و ستانلى لينبول ، مرجع سابق، ص117 [25] ساويرس بن المقفع ، مرجع سابق، ص [26] منصب الوساطة أستحدثه الخليفة العزيز بالله حتى يتمكن من يوكل مهام الوزارة لعيسى بن نسطورس دون أن يكون عليه الالتزامات الدينية التي لمنصب الوزارة ، المقريزي: الخطط ، الجزء الأول، ص 438 [27] سلام شافعي محمود ، مرجع سابق ، ص 43-79 [28] أيمن فؤاد سيد ، مرجع سابق، ص 193 [29] المقريزي ، الخطط ج2 ، مرجع سابق، ص236 [30] أيمن فؤاد سيد، مرجع سابق، ص263 [31] سلام شافعي محمود ، مرجع سابق ، ص 87-88 [32] المقريزي ، الخطط ج2 ، مرجع سابق، ص172 [33] ساويرس بن المقفع ، مرجع سابق، المجلد الثالث، ج2 ص 64 [34] ستانلى لينبول ، مرجع سابق، 115، 117-118 [35] سلام شافعي محمود ، مرجع سابق ، ص 32-33 [36] المقريزي ، اتعاظ2، مرجع سابق، ص 267 [37] ساويرس بن المقفع ، مرجع سابق ، المجلد الثالث ، ج1 ص 30 [38] ساويرس بن المقفع ، مرجع سابق ،المجلد الثاني ،ص 88 [39] علي الرغم مما عناه الأقباط في عصر الحاكم من ضغوط ،يذكر بن سعيد الأنطاكي أن الحاكم كان سائر كتابه و أصحاب خدمته وأطباء مملكته نصارى إلا نفر يسير، راجع سلام شافعي محمود ، مرجع سابق ، ص [40] أيمن فؤاد سيد، مرجع سابق، ص 200 [41] المقريزي ، الخطط ، مرجع سابق، ص ج1 110-112 و ج2 ص 389-394 [42] ساويرس بن المقفع ، مرجع سابق [43] ساويرس بن المقفع ، مرجع سابق، المجلد الثالث ج،1 ص 31 [44] أيمن فؤاد سيد ، مرجع سابق، ص 102-105 [45]مينا إسكندر ، القول الإبريزي للعلامة المقريزى ، مصر 1898 ص53 [46] ساويرس بن المقفع ، مرجع سابق [47] ساويرس بن المقفع ، مرجع سابق [48] ساويرس بن المقفع ، مرجع سابق [49] جوزيف شاخت، كليفورد بوزورث ، تراث الإسلام ، ترجمة د. محمد زهير السمهوري و آخرين، سلسلة عالم المعرفة عدد 233،234 ، الكويت 1988 [50] أحمد صادق سعد ، مرجع سابق، ص 253 [51] ساويرس بن المقفع ، مرجع سابق ، المجلد الثالث ، ج2 ص 64 [52] محمد عبد الله عنان، مرجع سابق ص 100-104 و 115- 126 [53] أحمد صادق سعد ، مرجع سابق، ص 318 [54] سلام شافعي محمود ، مرجع سابق ، ص 104 [55] أيمن فؤاد سيد، مرجع سابق، ص 296 [56] ناصري خسرو ، رحالة فارسي زار مصر في خلافة المستنصر (1036-1094) وقد وصف الحياة الاجتماعية و الاقتصادية لمصر في هذه الفترة في مؤلفه "سفرنامة" الذي ترجمه يحي الخشاب، القاهرة، 1954 ص 38 [57] ساويرس بن المقفع ، مرجع سابق ، والكاتب هنا هو ميخائيل أسقف تانيس والذي نقل القصة عن أحد معاصريها [58] سلام شافعي محمود ، مرجع سابق ، ص 118 [59] ناصري خسرو ، مرجع سابق، ص77 [60] ساويرس بن المقفع ، مرجع سابق والكاتب هنا هو ميخائيل أسقف تانيس والذي كان شاهد عيان على القصة كلها من موقعه ككاتب للبطريرك [61] سلام شافعي محمود ، مرجع سابق، ص 128 [62] أبو سيف يوسف –الأقباط و القومية العربية مركز دراسات الوحدة العربية –بيروت 1987 ص 71-72 [63] إيريس حبيب المصري -مرجع سابق ص 134 [64] إيريس حبيب المصري ،مرجع سابق، ص128 [65]أبو سيف يوسف ، المرجع السابق، ص 82 [66] ساويرس بن المقفع ، مرجع سابق، ص 109 [67] ساويرس بن المقفع ، مرجع سابق ----------------------- د. حنا جريس المركز القبطي للدراسات الاجتماعية الإجتماعية

Only voices installed on your device are offered. Install an Arabic voice in your device settings if none appears.