Back to file

أخلاق الحداثة.doc

Download original

The page view preserves document formatting. Word and Office documents are rendered as PDF; fonts and pagination may vary.

Listen / accessible text

Listening text and controls

Reading text uses the stored archive index when available. Document text preserves reading order where available; original layouts, formulas and embedded images may differ. Speech reads the text as written and does not translate it.

د.حنا جريس 2/7/2010 أخلاق الحداثة وأمل النهضة والنهضة التي أعنيها ليست تلك الشائعة في مناخنا السياسي والثقافي العام ، فهي ليست إمكانية النصرة على الأعداء، رغم أهمية الانتصار في حياة الأمم، ولا هي تقدم الأحوال الاقتصادية للبلاد ، وتحسن الأوضاع المعيشية للعباد رغم ضرورة أن تجتهد الحكومات ومؤسسات الدولة في ضمان ذلك. النهضة التي أتحدث عنها هي الارتقاء الشامل للمجتمع أفرادا وجماعات في سلم الانسانية حتى نتمثل أسمى معانيها ، وهي حالة تجعل من الانتصار على الظلم والعدوان حقيقة وفعل مستمر ، وتجعل من تحسن المعيشة حالة قائمة ودائمة للجميع دون تمييز بين قادر وضعيف. وقد فعلنا ذلك في مرحلة ما من تاريخنا ، وأظننا نستطيع النهوض مرة ثانية. ولمثل هذه النهضة أخلاق ، لكنها ليست فقط الأخلاق التقليدية التي تقرها كافة الأديان والأعراف ، والتي يعرفها الجميع . فالنسق الأخلاقي التقليدي يشكل في كل المجتمعات أساس الأخلاق ، وبدونه لايمكن للإنسان أن يكون إنسانا. والأخلاق في هذا المنظور التقليدي يتعلم منها الإنسان أن هناك شر قبيح عليه ألا يفعله ، فهو خطأ وخطيئة ، وهناك خير عليه أن يفعله وهو بر وتقوى. وإخلال الإنسان بهذا النسق الأخلاقي يعرضه للعقاب الإلهي إلا أن يتوب ، كما يعرضه لعقاب الدنيوي جزاء ما فعل. ولكن ، أن يكون الإنسان ورعا وتقيا وعف اللسان وغاض للبصر ومبتعد عن كل رذيلة شخصية ، كل هذا لا يجعله بالضرورة طرفا فاعلا في النهضة الوطنية والاجتماعية كما فسرناها ، فللنهضة متطلبات أخرى تقع في مجال الأخلاق عامة ، والنهضة لا يمكن أن تنطلق إلا عبر مجموعة من القيم الأخلاقية الحديثة التي بدونها وبدون أن يتبناها المجتمع كله لن تتحقق أي نهضة. وعندي أن أوضح إفادة في هذه القضية تأتينا من أحد مناطق العالم الثالث الأكثر تدينا في عالمنا المعاصر ، ففي بلدان قارة أمريكا اللاتينية جرت منذ مطلع خمسينات القرن العشرين أول المحاولات الجادة والجريئة لنقد التصور الديني التقليدي للإخلاق . وفي مطلع السبعينات كتب أهم مفكري هذه الحركة " جوستاف جوتيريز " كتابا شهيرا بعنوان " لاهوت التحرير التاريخ والسياسة والخلاص". كانت نقطة إنطلاق جوتيريز هي إعادة التعريف الأخلاقي للخطيئة ، فهو يرى أن التركيز على الخطايا التقليدية الشخصية ، والتركيز على التقوى والورع الشخصي يعمينا عن أن هناك خطايا موضوعية يتواطئ فيها الكثيرين وينتج عنها شرور عامة تعصف بالأفراد والجماعات ، أنها مجموع الخطايا التي توجه للمجال العام ، وهي خطايا ليست لها عقوبات إلهية معروفة كما أن فائض التدين ناهيك عن تواطؤ المؤسسات يعصفان بما يمكن أن يتوفر للقضاء عليها بالعقاب الأرضي . فالفساد وشراء الذمم والاستئثار بالسلطة وإساءة استخدامها وطلب الوساطة وسرقة المال العام والتواطؤ ضد الفقراء والمعدمين وتلويث البيئة ، هذه كلها بعض من فيض من الخطايا الموضوعية التي يغيب فيها التوصيف الديني أو يميع وكل هذه المواقف اللأخلاقية بحاجة إلى نسق أخلاقي جديد يتبناه الجميع. لقد استطاع مفكري لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية عبر سنوات من الكفاح ليس فقط ضد الفساد المجتمعي ولكن أيضا ضد تعسف الكنيسة الكاثوليكية ، أستطاعوا أن يقدموا نموذجا جديدا للأخلاق الحديثة التي تقف على أرضية إنسانية ، تتمثل الديني والحداثي في آن واحد فكانت النتيجة ما نراه الآن من تقدم ونهضة واضحة في كافة أرجاء أمريكا اللاتينية. ولإن قارنت تجربة أمريكا اللاتينية بواقعنا في العالم العربي تجد عجبا ، فالقضية مطروحة لدينا منذ أكثر من مائة وخمسين عاما لكننا تتذبذنا بين الحداثة والتقليد ، بين الأصالة والمعاصرة . خرج من بيننا فريق يريد القطيعة المعرفية مع الماضي حتى نلحق بالحاضر والمستقبل ، وخرج منا فريق يريد القطيعة المعرفية مع الإنسانية بكاملها والإكتفاء بما يعرفه من الدين وما تركه السلف ، بعضنا استغنى عن التراكم التاريخي المحلي والبعض الأخر استغنى عن التراكم التاريخي للإنسانية . كانت النتيجة القاسية أننا لم نطور معرفتنا عن أنفسنا كما ينبغي، كما أننا لم نناقش ونحاكم أنساقنا الأخلاقية بجرأة وجدية ومن ثم تمددت الظواهر الدينية والطقوسية في فضائنا الثقافي والأخلاقي وتآكلت مظاهر الحداثة الأخلاقية في ثقافتنا وتراجعت الدولة المدنية . وعندي أن المهمة الآن تقع على عاتق الطليعة المثقفة لهذه الأمة إذ عليها أن أن تستعيد الحداثة المناسبة لتطورنا التاريخي ، فبدون أخلاق الحداثة ليست ثمة نهضة.

Only voices installed on your device are offered. Install an Arabic voice in your device settings if none appears.