العودة إلى الملف

الفتنة الطائفية.doc

تنزيل الملف الأصلي

يعرض القارئ تنسيق صفحات المستند. تُعرض مستندات Word وOffice بصيغة PDF؛ وقد تختلف الخطوط وتوزيع الصفحات قليلاً.

الاستماع / النص الميسّر

نص الاستماع وأدواته

يستخدم القارئ النص الأرشيفي المحفوظ عند توفره، ويعرض النص حسب ترتيب القراءة المتاح؛ وقد يختلف عن تنسيق الملف والصيغ والصور المضمنة. الاستماع يقرأ النص كما هو ولا يترجمه.

د.حنا جريس 25/12/2009 الفتنة الطائفية والصور النمطية ما يقرب من أربعة عقود مرت على أول حادثة طائفية منذ ثورة يوليو 1952 ، والواقعة التي أتحدث عنها هي حادثة الخانكة الشهيرة، وأهمية هذه الحادثة لا تكمن في أنها الأولى وإنما ن في أنها الواقعة التي شهدت أول وآخر محاولة جادة للتعامل مع الفتنة الطائفية بعقلانية وواقعية ، فهي المرة الوحيدة التي شُكلت فيها لجنة لتقصي الحقائق من نواب مجلس الشعب ، الهيئة النيابية الدستورية المنوط بها الحرص على السلام الاجتماعي في البلاد . ومنذ ذلك التاريخ تصاعدت المشكلة عاما بعد عام ، ولأسباب كثيرة ازدادت تعقيدا وصعوبة وانتشارا . وفي المقابل انخرطنا جميعا فيما تصورناه مواجهة الفتنة ، و تراكمت لدينا أوراق الندوات والمؤتمرات والمقالات والكتب والأبحاث ، كما تكاثرت لدينا أفلام الفيديو والسينما والتسجيلات الموسمية للإذاعة والتلفيزيون ، واستحدثنا تقليدا رمضانيا جديدا هو موائد الوحدة الوطنية، تلك المأدبات الفاخرة التي اقترنت بآلاف الأحضان وملايين القبلات. وهكذا مارسنا كل أشكال خداع النفس ، وجاهدنا جهادا حسنا حتى نطمس المشكلة التي باتت تطاردنا في الأعوام القليلة الماضية بشكل شبه يومي. والشئ الغريب أننا جميعا تجاهلنا التقرير الذي قدمته لجنة تقصي الحقائق أنفة الذكر، وهو التقرير الذي اشتهر باسم "تقرير العطيفي" نسبة للراحل الدكتور جمال العطيفي رئيس اللجنة. وأهمية هذا التقرير أنه اول إعلان موثق يحدد أن أحد أهم أسباب المشكلة يكمن في تدهور الوعي الثقافي لدى الناس، فالمشكلة ليست في الأديان ولا في العبادات وإنما في الصور النمطية السلبية والجاهلة التى يكونها البشر عن بعضهم البعض . وسر الغرابة هنا أننا قمنا بكل أنواع الحيل والمهام الثقيلة على القلب للمداراة وعلاج أعراض المرض ، لكننا لم نقم باجهد الواجب للكشف عن سر العلة ومواجهتها . لم نحاول أن نسأل أنفسنا ، من أين يأتي الناس بهذه الصور النمطية السلبية عن بعضهم البعض؟ ولماذا ازداد تأثير هذه الأوهام الطائفية عند الناس مع انتشار التعليم وأدوات الإعلام الجماهيرية؟. وعندي أن علة الهروب من الإجابة على الأسئلة الصعبة تكمن في أحوال النخب المتعلمة والمثقفة ، وليلحظ معي القارئ أن هذه النخب هي التي تقود المجتمع في القواعد ، وهي التي تشكل وعيه العام ، فالنخب المتعلمة هي التي تكتب وهي التي تفسر ما هو مكتوب ، فمنها يأتي الكُتاب والمفسرين ، و منها يأتي الدعاة والوعاظ والأئمة والإكليروس وخدام مدارس الأحد ، فهي باختصار التي تشكل الوعي الجمعي للجماهير وعلة العلل في هذه النخبة أن وعيها الثقافي لم يتشكل عن مصر التاريخ والتراث الحضاري وإنما تشكل وعيها ووجدانها من أضعف شروحات النص الديني، وهي على كل الأحوال أسهلها فهما وأقلها في إلقاء المسئولية الإنسانية والفكرية. فبدلا من أن نكُّون وجدانا روحيا مستنيرا بالحضور الديني ومحتضنا لتصور إنساني متحضر ، تشًّكل لدينا وعيا زائفا عن قشور الدين وضيق في الأفق ووجدانا غاضبا كارها لكل ماعاداه . إن معرفتنا بأنفسنا هشة ومعرفتنا مسلمين بأقباط والعكس معدومة ، أللهم من كثير من الأوهام والخرافات . ومما يصعب المسألة أن عملية انتاج المعرفة واتاحتها ونشرها ليست من ضمن اهتماماتنا أوأولوياتنا . فعل سبيل المثال ، تصور معي ما الذي يمكن أن يفهمه المسلم المصري من احتفالية قداس العيد التي يراها في التلفيزيون ؟، فاللغة والموسيقي والملبس والحركة والأدوات ، كلها تبدو غريبة كل الغرابة رغم أنها من صميم التراث المصري والحضارة المصرية . وليقل لي أحد من المتعلمين المصريين المسيحين ما الذي يعرفه عن الإسلام والمسلمين سوى ما تلقنه في المدرسة أو ما سمعه من معلومات سماعية مشوهه أسرًّ بها إليه بعضهم عن خفايا الإسلام . وما الذي يعرفه عن أئمة العظام مثل الليث بن سعد والسيوطي ومحمد عبده، وما الذي يعيه عن الفنون الإسلامية في الخط والعمارة والزخرفة والنسيج وغيرها وما الذي يدركه عن أبعادها الروحية. أعتقد أن الوقت قد حان لأن نعرف بعضا بعضا ، آن الأوان لأن يكون التراث الثقافي المصري بمكوناته الدينية هو المادة الأساسية للعلم والمعرفة في التعليم والإعلام . آن الأوان لأن نعرف ما لا نعرفه عن أنفسنا.

تُعرض الأصوات المحلية المثبتة على جهازك فقط. إذا لم يظهر صوت عربي، أضفه من إعدادات الجهاز.